مسكوت عنه
صمت فادح يلجم أفواه سكان الحي،
متغاضين عما يحدث في المنزل الصغير الواقع آخر الزقاق من زيارات ليلية لبعض
الأعيان والأغنياء، داهسين كبرياءهم بنعالهم، فهو لم يعد يغني من جوع، حسب قولهم،
يتسلل البعض منهم خلسة بعد منتصف الليل ليبايعوا شهيرة على صنيعها، معبرين عن
ولائهم لها، وتغدق بدورها على أعمدة الإنارة بالإنارة، وعلى الطريق بالإسفلت وتشيد
في الحي الرتيب محلها الكبير لبيع الملابس، والذي هو في الأصل واجهة تخفي وراءها
أعمالها الأخرى، الشهر الفارط حصل السيد صالح على رخصة دكانه التي تقدم بطلبها منذ
سنتين _قصدها هو أيضا وزوجته خفية عن أنظار البقية محملين بالهدايا، خرجا والغبطة
تغمرهما، فالأمر مقضي، فقد أصبح بيد الملكة الآن_
أنفث دخان سجارتي الثلاثين وارتشف
قهوتي الخامسة، الشرفة باردة والظلام حالك، وزوجتي الحامل تغط في نومها العميق بعد
كل مشاجرة تقام بيننا بسبب بطالتي التي طالت، مر شهر منذ أن راودتني فكرة الانصياع
لغواية شهيرة التي لم ترضى بالخلخال الفضي الذي ورثته أمي عن جدتي، قائلة:
" ستتحول حياتك البائسة إلى
الرغد، أيها العنيد، فقط تعال أنت دون هدايا"
انتقلت من الحي واقتنيت منزلا صغيرا
على مشارف المدينة، الوظيفة التي حصلت عليها كانت تفوق أمنيتي، لا زلت أحشر عجلات
سيارتي فوق الرصيف بعد منتصف الليل وأتسلل لبيت شهيرة؛ أقدم الولاء.
حميدة الساهلي_ تونس