النوع الأدبي /مقال/
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
بمناسبة العام الثالث لعيد القصة القصيرة جدا؛ أحببت أن أقدم بحثي هذا:
المقاربة والمقارنة بين القصص القرأني وبين القصص الأدبي، مستعينة ببعض المراجع الأدبية..
القصة في القرآن لها عدة أنواع
تنوع قصص القرآن من حيث الشكل إلى:
قصص قصيرة جدًا:
وهى مماثلة لما يطلق عليه اليوم الأقصوصة أو قصة الموقف مثل: قصة صاحب الجنتين، وقصة ابني آدم، وغيرها من القصص القصيرة التي وردت في القرآن الكريم.
القصة متوسطة الطول:
وهى مماثلة لما يطلق عليه النقاد اليوم القصة القصيرة مثل: قصة أهل الكهف، وقصة آدم وحواء عليهما السلام، وقصة أصحاب البستان، وقصة موسى عليه السلام مع العبد الصالح، وغيرها من القصص التي تندرج تحت هذا النوع.
القصص الطويلة أو ما يطلق عليه النقاد الرواية:
مثل: قصة يوسف ، موسى عليهما السلام.
إن القصة القصيرة جداً (ق.ق.ج) قصة في حجم قصير جداً، يحکي حدثاً محدوداً جداً
ّ مضامين عظيمة. نجد من خلال دراســة آي القرآن الکريم..
لا يتعدی حجمها عن بضعةأســطر قليلة حيث يتيح لدراســتها علی ضوء معايير القصة
القصــيرة جداً التي تتصف بقصر الحجم کميزة أساســية لها، وإذا أکدت الدراســات
صحة اعتبار هذه النماذج القرآنية القصيرة جداً في إطار هذا الجنس الأدبي، ُ
ّ
فنرفض الفکــرة التي تری جنس القصةالقصــيرة جداً من إبداع الأدب الغربي المعاصر.
واعتنى أكثر الأدباء بدراســة هذا الجنس الأدبي في القرآن الکريم من خلال تعريف "ق.ق.ج"
وعناصرهــا، وطرح نماذج قصصية قصيرة جداً من ســور البقــرة، والحجر، والنحل،
ويس، علی النموذج الفني لندرس مدی اتصال هذا الجنس الأدبي بجذور إســلامية.
وتشير الدراســة اتصاف هذه النماذج القصصية القرآنية بميزات القصة الفنية القصيرة جداً
ناهيك عن الصفات الثانوية التي تتميــز بها، وبذلك تؤکد فرضية البحث، مما
يؤيد بدايات إسلامية لجنس القصة القصيرة جداً.
كان يفترض بالسنوات التي انقضت على إطلالة القصة القصيرة جداً كمذهب جديد ومختلف على الساحة الأدبية العربية أن تكون كافية للتعريف بها وترسيخ مكانتها أو إشاحة النظر عنها. ولكن مقابل الدراسات المعدودة التي صدرت عن القصة القصيرة جداً والتي توجهت بالدرجة الأولى إلى المختصين، يبدو أن قصر القصة القصيرة جداً انعكس على الكتابات التي تناولتها، فاقتصرت في معظمها على الدفاع عنها أو نقدها انطلاقاً من أحكام مقولبة سلفاً.
ويتناول النقاد هنا ماهية القصة القصيرة جداً من خلال التناول بالنقاش والتحليل العناصر التي تميزها عن القصة، تأكيداً على حقها في أن تحظى بالاعتراف باستقلالها الكامل ضمن الألوان الأدبية الأخرى، والقصصية منها بشكل خاص.
أن القصة الصغيرة جدا تاريخا طويلا يتمثل في مجموعة من المراحل و الحقب، و يكمن حصرها في المرحلة التراثية التي ارتبطت بالأجناس و الأنواع و الأنماط السردية العربية القديمة، و مرحلة الكتابة اللاواعية منذ بداية القرن العشرين، و ذلك مع مجموعة من الأقلام القصصية القصيرة جدا، التي كتبت هذا الفن السردي الجديد بعفوية و تلقائية مباشرة.
و في هذا الصدد يمكن الحديث أولا: عن بداية جبرانية بامتياز، و يمكن الحديث ثانيا: عن مرحلة التجنيس في سنوات السبعين التي انطلقت بالعراق و الشام، و هناك –ثالثا- مرحلة تجريبية تتسم بالانفتاح على تقنيات السرد الغربي، و ثمة –رابعا- مرحلة التأصيل التي تستلهم التراث العربي بناء و قالبا و صياغة و رؤية.
ونعود الى القرآن الكريم:
وعلى سبيل المثال (َوإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ ) سورة التكوير الاية 8 و9 ، ماذا تلهمك هذه الآية .؟
أنها ( قصة قصيرة جدا) تكاملت فيها شروط القصة القصيرة جدا.. بل نجد كل عناصر القصة القصيرة متوفرة في هذه الآية الكريمة:
1- عنصر الشخصية وهو (الْمَوْؤُودَةُ) عنصر الشخصية الغائبة ( الذين سألوا الْمَوْؤُودَةُ )
2- عنصر الحادثة وهي ( عملية الوأد - الدفن وهي حية ، جريمة قتل )
3- عنصر الفكرة : محاربة الأفكار الفاسدة الظالمة وهنا رفض لفكرة الوأد والقتل
4- عنصر البيئة : الزمان والمكان لوقوع الجريمة وهو ( العصر الجاهلي )
5- الأسلوب: نزلت القصة و طرحت بإطار عذب حزين جميل حيث تمت عملية سردها بكلمات معدودة لا تتجاوز (6) كلمات وبكثافة لغوية باهرة واختزال عجيب..
تعالوا نتأملها مرة أخرى (َوإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ) يا سبحان الله..
ألا نرى وقعها على القلب.. وحزنها.. وظليمتها
هل يستطيع ناقد من عمالقة النقد أن ينكر مثل هذه الآيات الرائعة ( القصة القصيرة جدا ) ؟
هل حظي قاص على وجه البسيطة بقراءة الناس لقصته أكثر من قراءتهم لقصة الموءودة ؟
هل هناك قاص يجاري القران بالقص ؟ وان الله تبارك وتعالى يقول {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ }
ولنا وقفة أيضا مع قصة ابني آدم ولما لها من المدلول القصصي والقصة القصيرة جدا وتناولت كل احداث الحياة البشرية :
حب .. غل .. حسد ..ضعف .. قتل ..اعتراف بالذنب .. زمنكية ..ايحاء ..تلغيز ..
استعارة ..اسقاط لرموز..
1- عنصر الشخصية وهما ( أولاد آدم )
2- عنصر الحادثة وهي ( القتل ) وعنصر الغيرة والحسد التي أدت إلى قتل الأخ أخيه
3- عنصر المتن : الاستسلام للخير وصلة الرحم ولو على حساب الحياة ..الاستسلام للشر والغل والحسد ولو أدى ذلك للقتل .. وهنا رفض القاتل لتقبل القربان من أخيه ولم يتقبل منه..
4- عنصر البيئة : الزمان والمكان لوقوع الجريمة وهو ( أول الزمان وأول قتيل )المدلول القصصي
على ذلك أن القاتل لم يعلم كيف يواري جثة أخيه المقتول.. فجاء الغراب لتعلميه كيف يوراي الجثة..
وانذار من الله أن الإنسان مهما علا شأنه ومهما تعلم يبقى بحاجة إلى علم الله وبذلك كان الغراب اعلم من القاتل وبأمر من الله كان هذا الأمر..
5- الأسلوب : نزلت القصة و طرحت بإطار يقتلع القلب من جوانبه لقتل الأخ لأخيه؛ فقط لسبب الغيرة والحسد والغل .. وهما قواعد هذه القصة..
وكل ذلك في سطور قليلة وكلمات لاتتعدى الخمسين كلمة.. وجاء التفسير في صفحات، ويصعب تفسيرها في هذا الموضع لطول التفسير .. كما يقرأ النقاد الآن القصة القصيرة جدا التي لاتتعدى الخمسين كلمة في صفحات.. ولله المثل الأعلى.
فوزية الكوراني / سوريا

