سماح رشاد ...مصر
أراك عبر نافذتك بالمطبخ، هل تطبخ الكلمات حضرة الكاتب؟، عندما تذوقت روايتك الأخيرة كانت لاذعة، لماذا تعري كاتبي التاريخ؟، أزعجت ذاكرتي الممتلئة بأكاذيبهم، لكن لا بأس فبعض التغيير لا يضر بالرأس.
أعرف أنك تتبع أخباري المبتورة عبر وسائل التواصل، وترى كم تعلقت بأمر الكتابة، وأيضا الرسائل.. الكتابة واقعية يا صديق تشتهي المادة، تحب الورق الجيد والسطور الواسعة الأنيقة المهندمة، تترفع عن الأقلام الجافة، ترتدي الأرستقراطية، لكن الرسائل تهوى ضوء صباح يتخلل النوافذ والستائر، المرايا، الشراشف، الوجوه، الأوراق، والليل وضوء الشموع ونبيذ الدموع والبسمات المسروقة، هنا تنقلب لكلاسيكية العصور الوسطى..فتاة بخصرٍ ضيق، تنورة منتفخة، كرسي يحمل أناقة نحافتها برحابة، مكتب صغير يحوي أسرارها وخطوات قلمها الأبنوس، تحاول التخفي في ظرف أصفر مغلق بشمع أزرق عليه ختم باسم رجل يرسل لمجلة أو جريدة، لا تعرف عنه إلا اسمه، وتلك حكاية أخرى للرسائل.
عذرا صديقي أخذني التدفق ولم اسأل عنك، لكني بالعادة لا أسأل كهروب من النمطية، أجدها ثرثرة لا داع لها، ما رأيك أتتفق معي؟ وجدتك في رسالتك الأخيرة تحكي عن فتاة ترتدي فستان بلا خياطة، ومن وقتها أفكر كيف أنتعل بعض أفكار الأخرين المعطوبة دون أن تؤلم أصبع قدمي الصغير وظهري صاحب الانزلاق في فقرتين متتاليتين، لكن كعب أفكارهم مؤلمٌ جدًا، لذا غيرت رأيي وسأمشي بدون حذاء، ربما ستلسعني حرارة بعض أفكاري، لكن لا بأس ربما بخطواتي أعبد لها الطريق، وأنحي كل عثرة وحصاة.
ربما علي أن ابدأ كتابة الرسالة من هنا، ونتغاضى عن الجنون أعلاه..
كيف حالك؟
هل ما زلت تزرع الفجل والنعناع؟ وتمشي إلى المحال بنصف ملابسك حافي القدمين؟
أيها المجنون أفتقد لرسائلك اللعينة!
لنترك العاطفة فلدي اقتراح سيعجبك.. أتدري ما هو؟ سأخبرك لا تتعجل مع أني أعرف تمامًا عدم توفر الفضول لديك، لكني أشجع نفسي فقد كتبت الرسالة لأثرثر، اقترح أن تصنع فطيرة الدراق بالشيكولاتة للسيدة كليمونتين، ربما تتوطد علاقتكما، أراها قد تذبذت مؤخرا، أعتقد ستعجبك الفكرة.
كنت أود أن أكتب رسالة أطول تمتد لصفحات، لكن دائمًا ما تخونني إرادتي وتولي لي ظهرها، تعاملني بطريقة غريبة على قيد تصرفها منصاعة، أحس أني قربان لشيء لا أعلمه، هل علي البحث عنه أم أخاف فقط وأصمت؟
المهم صديقي لم أجد صندوق رسائلك بالحديقة، هل سرق أم مللت ثرثرتي؟ احترت ماذا أفعل ولأني أكتب الرسائل طازجة، جريت منحنية حتى لا تراني، أسندت ظهري لشجرة اللوز خاصتك، وكتبت هذه التي بين يديك الآن، زججت بها أسفل بابك، حركت الجرس النحاسي الصغير وركضت حابسة أنفاسي بعيدا، تخيلتك تنظر يمينا ويسارا وأخيرا نظرت لأسفل وأنت تهم بالدخول حانقا، التقطتها وابتسمت، نعم رأيتك تبتسم، نعم نعم رأيتك بخيالي، وها أنا الآن مندهشة وأحلق لذا صديقي..طاب عصرك وشمسه وسلام.
ملحوظة : جازفت بالذهاب إلى بيتك وكتابة رسالة بحديقتك، وأيضا جازفت بأن تراني وقتها؛ قد نقتل الدهشة ونتوقف عن هذا الجنون، لذا أرجو تقديرا لتلك المجازفة أن تشذّب حشائشك؛ فلدي حساسية جلدية شديدة الآن، وتلك الحكة اللعينة لا تكف عن عناقي.
........

