قراءة نقدية في قصّة قصيرة جدّا بعنوان "إدانةٌ"
" للأدبية لين الأشعل/تونس بقلم منير دبّوش(أستاذ لغة و ٱداب عربية)/ليبيا
______________________
أوّلا: النّص
إِدٓانةٌ
هٓيّؤُوا المِنضدةٓ لٱستِقبالي.
تٓجادلوا مُطوّلا حول حقيقتي...
في غفلةٍ منهم، انسٓلّتْ وٓثيقتي؛ تجمّدٓ السِّرُّ فوقٓ جثّتي المفتوحةِ.
______________________
المقدّمة :
_________
يرى الناقد السّوري كمال أبو ديب في كتابه(الأدب العجائبي و العالم الغرائبي) أنّ الوقتٓ قد حان لدراسة التراث العربي العظيم في هذا التصنيف الأدبي (وكان يقصد الكتابة العجائبية الفنتستيكية أو الإبداع التخييلي والذي يهتم أيضا بالسخرية) فليس من مبرّر لإلحاق رِيادة الأدب الفنتازي بالغرب، بما أنّ تراثنا العربي زاخر بهكذا كتابات تخييلية متنوعة لنا فيها أسبقية عن الغرب، مثل كتاب "أسمار الليالي للعرب ممّا يتضمّن الفكاهة و يورث الطرب" -قبل أن يصير عنوانه لاحقا:
"ألف ليلة و ليلة". أو كتب على ألسنة الحيوانات و كذلك في كتابات الجاحظ و الهمذاني....ألخ.
بناء النص
_______
النصُّ "إدانة " من مجموعة الكاتبة القصصية في الأدب الساخر:(ضحكات مسروقة)
هو من جنس الققج ، توفرت فيه شروطها ،كُتب بإيجاز مُحكٓم و بحداثية ذكيّة.
ينضوي تحت نمط الكتابة التخييلية الساتيرية. إنها قصة مفتوحة، فيها حوار و عقدة(فعل تجادلوا), و تصوّر مشهد، إلتقطت الكاتبة مشهدا خاطفا كومضة و هذا مطلوب في تأليف الققج.
1)العنوان:
هو عتبة الوُلوج إلى متن النّص وٓردٓ مفردة واحدة نكرة، أرى أنّ له علاقة قويّة بالإشكاليّة المطروحة، يحمل لنا العنوان إدانةً بينما الخاتمة تذهب بالإدانةِ، فينتهي النص دون أن تقع الإدانة التي أعلنها الإستهلال.
وهذه مفارقة أولى تسوقها لنا الكاتبة بإيحاء موفق.
2)-ثيمة النّص:
يطرح النصّ مسألة عميقة وهو عيب إجتماعي متفشٍ في العديد من البلدان التي صارت حكوماتها هزيلة وانتشر فيها الفساد و الإرتشاء في غياب الرّقابة...كلّ شيء يباع و يشترى حتى وثيقة التشريح الطبي الشرعي الرسمي وهكذا يضيع حق البريء و يخرج المجرم براءة بالعمد إلى تغير الحقائق في الكواليس.
-3)القفلة :
وردت مباغتة لأنها لم تكن متماشية مع السرد في المتن ولم تشبع تطلعات القارئ الذي كان ينتظر إدانة الجاني غير أن الإدانة بقيت مفتوحة، إذ أنّ هوية الجاني الحقيقي طُمست و فتحٓ السؤالُ ( من القاتل لهذه "الجثة"؟) أفقٓ التأويل.
4-)الشخصية المحورية:
هي " الجثة"، التي وقعت عليها الجريمة، هي الرّاوي، شخصية لا تقوم بأفعال صريحة بل وقعت عليها كامل الأحداث وهي فاقدة للحياة، تتكلم النفسُ و هي ميتة بضمير الذّات و تشاهد و تسرد و سردها هو غير عادي به خيال خارق بأسلوب متهكم يحمل للمتلقي العجب والدهشة.
-5)الشخصيات الثانوية:
الشخصيات الثانوية بٓنتْ أحداث النص(_هيّؤوا المنضدة_ استقبلوني_تجادلوا) و هذا هو الطاقم الطبي الذي أمضى وثيقة التشريح الشرعي للجثة ،تكلم عنهم الراوي باستعمال ضمير :هم.
هنالك فريق ثاني من الأشخاص المجهولين ،سرقوا الوثيقة (سحبوها) وزيفوها لكي يتستّروا على الجاني الحقيقي حتى أنّ الكاتبة أحسنت استخدام فعل "انسلّت "و معناه انسحب الشخص دون أن يُعلٓم به وانسحبت من المجموعة، هنا وقع تشخيص الشيء(الوثيقة)التي تحركت و خرجت خلسة و هذا نمط من أنماط الكوميديا الإيمائية الساخرة؛ هذا الفعل يكاد يكون مبنيّا للمجهول لأن الوثيقة لا تتحرك في الواقع إلا إذا حرّكوها، فهم مجهولون: من هم؟
إما فريق متكون من أفراد تابعين لطاقم طبي أو لبوليس المباحث المرتشي أو لقاضٍ فاسد (حاشا الشرفاء )....
نلمس هنا من توضيب الكاتبة للشخصيات، مفارقة ثانية جميلة:
الشخصية المحورية لا تتحرك و لا تسوق الأحداث بل الشخصيات الثانوية هم من يتحركون ويتقدمون بالأحداث داخل نسيج النص.
6-)السّردية و أسلوب الكتابة:
أحدا ث النص صيغت بنسق خطي بأفعال كتبت جميعها في الماضي المعلوم بانسياب سلس و نسق سريع، نقلها لسان الميّت الذي كان يراقبهم ويتابع وقائع القصة فكان حواره حاملا لعقدة مشوقة ...إلى أن حلت الخاتمة لكسر ٱفق المتلقي.
وعن أسلوب الكتابة أقول أن القصة كتبت بطريقة حداثية بتكثيف جميل، طغت عليه الصبغة العجائبية(الوثيقة كشخص تتحرك على حلبة مسرح الأحداث وجثة الضحية تشاهد، تراقب و تروي....)
كما تبقى هي الشاهد الوحيد على حادثة قتْلِها. للأسف دُفنت الحقيقة مع الجثة. وبفعل فاعل طُمست تلك الحقيقة وبقيت سرّا
في صدر "الجثة". وكم قضية فصل فيها القضاء بزجّ بريء في السجن مع تغييب الأدلة القاطعة و تظليل العدالة.
النص "ساتيري " ساخر به كوميديا لفظية و إيمائية ، و مضحك المواقف(موكب الاستقبال،الوسيلة تتسلل و تخرج من الباب....) و فيه مشهدية ممسرحة كأنما المنضدة هي ركح مسرح الأحداث الذي جُهّز لاستقبال وفدِ الشخصيات التي تقمّصت أدوارها...و من جهة أخرى يدخلنا الكاتب دون أن نشعر في فيلم بوليسي في لقطة من طور التحقيق في الجريمة؛ لأجل كل هذا أٓوْكلتْ الكاتبة دورا هامّا لشخصيات قصتها، تنقلت بمرونة بين العناصر الزمكانية فكانت الطاقة الدافعة التي تحلقت حولها جميع عناصر السرد الأخرى
والشخصيات في العمل السّاتيري و بصفة عامة، هي المختبر للقيم ألإنسانية التي يتم نقلها من الحياة لِتُعيدها للقارئ في شكل عِبرٍ.
الخاتمة
--------------
هذا النص ثري بمعانيه العميقة و تنوع أنماط الكتابة فيه...
كما أنه يتحمل أكثر من تأويل، وما الإحتمال الذي ذهبتُ إليه إلا واحد من عدة احتمالات، غيض من فيض وسط الأدب الواعد للقاصّة لين الأشعل التي لازالت تُمتعنا بتنوع أنماط كتاباتها وبجمال فكرها المتّقد و تفتحها على ثقافات الشرق و الغرب.
الملاحظات:
--------------
-القصة تكاد تكون خالية من جمالية البلاغة بيد أن كل الرونق موجود في الأسلوب العجائبي و المشهدية الساخرة.
-لاأرى مبرّرا لاستعمال النقطة في الجملة الأولى، أحٓبّذُ و ضع فاصلة طالم الأحداث جارية، دون الرجوع إلى السطر.
-عن رسم الهمزة في كلمة (هيّؤُوا): استغربت من استخدام الرسم قليل الإستعمال لفعل هيّأ و الدارج أكثر هو الرسم الٱتي: (هيّأُوا)
لا أدعي أن الرسم الذي اتخذته الكاتبة خاطئ بل يصح بالإعتماد إلى أن الضمّة أقوى من الفتحة. أكيد أنّ للكاتبة غرض في هذا الشأن
_هي الكاتبة المتمرّسة، ذات زاد لغوي لا يستهان به_
شكرا لكاتبة النص أ. لين هاجر الأشعل
وشكرا لطرحكم هذه القصة للنقد وهي نموذج يُحتذٓى به في الكتابة العجائبية الساخرة .
قلم أستاذ منير دبوش/ليبيا
