كلما ارتكب خطأً صغيرًا وجّهت له اللوم، ثم تضمه إلى صدرها وهي تتحدث عن أشياء كثيرة لا يعي شيئًا منها، لكنه يبتسم ويمضي سريعًا قبل أن ترصده عينا والده المشتعلتان، ذات مرة ضبطه وهو يرسمه بعينين كبيرتين، يخرج منهما الكثير من الشرر، سأله بنبرة حادة: ما هذا ؟ فقفز قلبه هربًا بينما تلعثمت الحروف على ثغره فأغمض عينيه ضغط عليهما بشدة، و...أنقذه صوتها ككل مرة، أغلق باب الغرفة، لاذ بجدرانها، وأخذ يبحث عن قلبه ليعيده إلى مكانه قبل أن يمارس طقوس سعادته بعيدًا عن العيون.
**( 2 )**
احتدّ الحوار بينهما، بدأت جحافل صوتهما تطرق أبواب غرفتها، ظهر الضيق على ملامح وجهها الصغيرقبل أن يحتل صدرها، أغلقت دفترها وهي تنظر إلى صورة توأمها المزينة بشريطٍ أسود وتهمس لها: " لقد نجوتِ ".
ألقت بجسدها النحيل على الأريكة، ثم وضعت سماعات الأذن وغرقت في صخب الموسيقا .
**( 3 )**
كانت يده ميراثه، صوته المعبّر عن غضبه أو استيائه، وكان جسدها هو الصخرة التي يمارس عليها كل فنونه، لم يلحظ أبدًا تلك العين الصغيرة وهي تنزلق بهدوء من ثقب الباب الموصد، تتابع المشهد تحفره في الذاكرة، بينما القلب المرتجف يلوذ بالباب، يلتصقُ به إلى أن يخفت الزئير ويبدأ صوت ألمها الواهن في التنفس، حينها ينزوي في ركنه المعتاد، يضم ركبتيه إلى صدره ويدفن رأسه في تلك البحيرة المالحة.
**( 4 )**
" تحَمّلي قليلًا يا ابنتي فالحياة تحتاج إلى الجَلَد "
أغلقت سماعة الهاتف وأخذت تتمتم في سخط : " تحَمّلي، تحَمّلي، تحَمّلي ... " قاطعتها صرخات طفلها الرضيع، فأسرعت إليه وهي تلعن الغربة في سرها، لم تنس أن تلقي نظرة على إخوته، وتراجع في ذهنها كل ما عليها فعله اليوم.
يوم آخر، عيناها مثقلتان، الرؤية ضبابية، " تحَمّلي " تهمس لنفسها قبل أن تركن الزمن جانبًا، لم تعد تنظر إلى الساعة أو تنزع أوراق النتيجة المعلقة على الحائط، كان همها الوحيد أن تحبس صوت صرختها في صدرها، وربما تسرق بضع دمعات لتخفف وطأة الصهد الذي يغتالها، استسلمت لتلك الدوامة التي تعتصرها جزءًا جزءًا، وتنفث ذلك الحريق عبر شرايينها فيزحف إلى كل خلية من خلايا عقلها يبتلعها في هدوء يصحبه ذات الطنين؛ " ت ح م ل ي " استطالت الحروف حبالًا تلتف حولها تكاد تخنقها، تشهق ، أرادت أن تتنفس، أسرعت إلى النافذة، فتحتها وانطلقت تحلّق بجناحيها بعيدًا .
...................

