كامل شياع.. قضية وليس استذكاراً
رايات استسلامنا
د. كريم شغيدل
ورقته التي قدمتها خلال الندوة الاستذكارية التي أقامها مركز الدراسات والبحوث إحياء لذكرى الشهيد كامل شياع
الوزارة التي أطلق عليها أحد قادة الإسلام السياسي بأنها وزارة(جمبارات) ستصبح حتماً مباحة بتهمة المس بالمقدس.. فقد اغتيل وزيرها الأول الأستاذ مفيد الجزائري رمزياً ثم استوزروا لها ضابط شرطة ثم إمام مسجد متهم بالقتل(المتهم بريء حتى تثبت إدانته) ثم أكاديمي محايد لا يفرق بين المسرح وتحت موسى الحلاق، لا تستطيع أن تتبنى مشروعاً ثقافياً، ولا يمكنها أن تسهم بتنقية الخطاب الثقافي من أنساقه المضمرة القبيحة، بل لا تستطيع أن تصير الثقافة جزءاً من سيرورة المجتمع، وستعترض حتماً طريق من يتبنى نهجاً جديداً، الوزارة التي لم تجرؤ على مراجعة الخطاب الثقافي التعبوي المؤدلج الذي تربت عليه أجيال لا تتمكن من الدفاع عن رموزها، بل إن دولة بكل أجهزتها تقف عاجزة عن ملاحقة عصابات الجريمة ومليشيات القتل لا يمكن أن ينتج في ظل سياقاتها الثقافية خطاباً مغايراً، ربما لنا أمل مبعثه وجود الدكتور حسن ناظم وإلى جانبه الدكتور عماد جاسم وكادر من المثقفين الراكزين في الحياة الثقافية العراقية.. أقول ربما لأن الأمر مرهون بما هو قادم.
قبل ثلاثة عشر عاماً، أي في يوم الجمعة الموافق 23/ 8/ 2008 كنت على موعد معه، بعدما اتفقنا في الليلة الماضية أن أسلمه مجموعة مقترحات لقانون حماية الثقافة والمثقفين، تمخضت عن عدة لقاءات دارت بين مجموعة أدباء كزاهر الجيزاني وعبد الزهرة زكي وأحمد عبد الحسين ونصير غدير والراحل قاسم محمد عباس وغيرهم، مجرد أنه سمع بالأمر سارع لمعرفة ما يجري بيننا، فمن يفعلها غيره؟ توقعت أن أصادفه على أية ناصية، أو على باب مكتبة أو مقهى، في شارع المتنبي، لكنني وقد وصلت متأخراً، صادفني على مدخل الشارع من يفاجئني بنبأ كان وقعه علي لا يوصف!! قبل قليل كنت أتخيله متأبطاً كتباً اقتناها كعادته وسنتخذ مكاناً للحديث عمَّا اتفقنا عليه، صديقي أسامة العقيلي الذي كان برفقتي لم يصدق الخبر، لا لأنه لا يؤمن بحقيقة الموت المجاني الذي داهم حياتنا بطرق شتى، بل لأنني ليلة البارحة تواعدت مع كامل شياع عبر الموبايل أمامه، لحظات وقد اكفهرت الوجوه في شارع المتنبي، كل يقول: قبل قليل مرَّ من هنا!! قبل قليل سلم عليَّ!! انخفضت الأصوات، وصار الكلام همساً مختنقاً بالعبرات، ربما تحسس البعض صدره خوفاً من زخة رصاص مكتوم ينطلق من أية زاوية.
اغتيل كامل شياع بسبع رصاصات من كاتم جبان متخفٍ، من المؤكد إن القاتل لا يعرف من هو كامل شياع، ولم يقرأ له، ولا يعرف شيئاً عن تاريخه، لعله كان مجرد قاتل مأجور، أو أحد المنتمين لميليشيات التطرف والتكفير وقمع الحريات، وواقع تحت تأثير التحريض العقائدي بذريعة الحفاظ على الدين أو المذهب، ألا تعساً لعالم يقتل فيه كامل شياع ويبقى قاتله حراً طليقاً يعبث بمقدرات الحياة.
لماذا يقتل شخص مثل كامل شياع؟! هل ثمة من ينافسه على منصبه؟ هل لأنه من عراقيي الخارج ممن أشاعوا عنهم بأنهم قدموا على ظهور الدبابات الأميركية؟ هل لأنه مثقف علماني متنور؟ هل لأنه على درجة من النبل والخلق والوعي والكياسة؟ هل لأنه إنسان حقيقي صادق في زمن شحت فيه الإنسانية وانعدم الصدق؟ هل لأنه كان جاداً في عمله وغيوراً على عراقيته، ولم يسرق ولم يمول حزباً أو كتلة، أو يستغل منصبه لأغراض شخصية وحزبية؟ قد تجتمع هذه الأسباب وغيرها لتصفية كل ذلك النقاء الذي عرف به الراحل، فقد كان يبدو استثناء من القاعدة العامة لدهاليز المؤسسات التي اتخذتها الأحزاب إقطاعيات بالمحاصصة.
أحدهم قام بالاعتداء على نجيب محفوظ محاولاً طعنه بسكين، وهو لم يقرأ له كتاباً واحداً بحسب اعترافه، ولا أعتقد أن من قتل حسين مروة قرأ شيئاً من كتبه، وأشهرها النزعات المادية في الفلسفة العربية والإسلامية، كذلك قاتل فرج فودة، ولا أتخيل بماذا كان يفكر قاتل المفكر والناقد قاسم عبد الأمير عجام، وكيف هانت عليه تلك الروح الوديعة، وكيف واجه ذلك الإنسان الذي يخجل الناظر إليه من هدوئه ورقته ووداعته، وهؤلاء الأربعة هم الأقرب لكامل شياع، هم ممن تعاطى الفكر الحر ودعا لتحرر الإنسان، وهذا ما يؤزم الذهنيات الأصولية التي تربت على فتاوى قمع الفكر والتكفير والقتل، الذهنية ذاتها التي أفتت بصلب الحلاج، فالمثقف الحر في موروثنا وحاضرنا، ما هو إلا مشروعاً دائماً للاغتيال المعنوي، حتى يستسلم أو يتحول المعنوي إلى جسدي.
كان الراحل منسقاً مع منظمة اليونسكو للحفاظ على تراث الثقافة العراقية، وهذا يكفي لتبرير اغتياله، في زمن يتقاتلون فيه للحفاظ على تراث طوائفهم وأديانهم وأعراقهم، بعدما تركوا العراق خلف ظهورهم، إذ أصبح الولاء للعراق خرقاً للعقائد، وتهمة يعاقب عليها قانون الطوائف، وعقوبتها الغدر بالكواتم، مثلها مثل تهمة العلماني والتنويري والمدني واليساري والليبرالي، فأمراء الطوائف مختلفون عقائدياً حتى داخل الطائفة الواحدة، ويكفرون بعضهم البعض، لكنهم متفقون على تكفير الإنسان الحر، وكامل شياع إنسان عاش حراً ومات حراً وهو يحتضن حزمة كتب لم يقرأها بعد، ختمها بدمه لأجيال ستقرؤها بعده. وعلى طريق كامل شياع اغتيل هادي المهدي وهشام الهاشمي وعلاء مجذوب وغيب كل من مازن لطيف وتوفيق التميمي ونخبة من شباب الحراك التشريني صفاء السراي علي اللامي أحمد عبد الصمد رهام يعقوب أمجد الدهامات وإيهاب الوزني وفاهم الطائي.. وما تزال الدولة بكل أجهزتها عاجزة عن إلقاء القبض على الجناة.. هذا لأننا مع كل ما قدمناه لم نشكل قوة ضغط بتحويل قضية كامل شياع إلى قضية رأي عام.. إذ لا نملك سوى كتبنا وأقلامنا وأوراقنا البيضاء المسالمة كرايات استسلام..
