كي لا يقع الحيف عليك ثانية يا محمود جنداري
جاسم خلف الياس
وأنا أتابع ما ينشر عن القاص محمود جنداري من كتابات سواء أكانت المنشورات في الصحف والمجلات أو في النشر الإلكتروني، لم أجد أية إشارة إلى أطروحتي في الدكتوراه (جماليات التجريب في قصص محمود جنداري القصيرة) التي نوقشت عام 2011، ولا إلى كتابي (جماليات التجريب القصصي "التعبيري/ الانزياح النوعي/ التقاني") الصادر عن دار غيداء 2016، وقد سعيت في الأطروحة والكتاب إلى تناول التجريب وكشف جمالياته من منطلق الوعي بنقض المسلمات والثوابت القصصية، التي حضّت القاص محمود جنداري على الرغبة في التحول، والحيازة على التفرد. وإذا كان لتجريب هو الحد الفاصل بين الخضوع للتقاليد النوعية السائدة، وبين تقويض النمذجة، والتمرد على التنميط، وعدم التسليم لما هو جاهز وقبلي. فقد شكّ هذا التجريب مرتكزا مهما من مرتكزات التحول النصي الذي استطاع القاص بواسطته، أن يتخذ من القطيعة مع الكتابات التقليدية منطلقا في العطاء والمغايرة. وهنالك مسوغان ألحّا علي في اختيار هذا الموضوع، ومن ثم نشره في كتاب، وهما:
الأول: ذاتي وتمثّل في الرغبة في متابعة القص بشكل عام، والقصة القصيرة بشكل خاص، كما شكلت قراءاتي للمناهج النقدية الحديثة في تقصي الاختلاف والتجاوز في أشكالها ومضامينها، حافزا في تتبع مغامراتها وانزياحاتها النوعية ومسارات التجريب فيها. ولصعوبة تتبع هذه المغامرات بشكل أفقي وعمودي، وتقصي منجزات القصاصين الذين ساروا في هذا التوجه الكتابي الجديد، ارتأيت أن تكون دراسته محصورة في اختيار ما يتلاءم مع توجهاته القرائية، فوقع اختياري على قاص مختلف بامتياز هو القاص محمود جنداري.
الثاني: موضوعي وهو الأهم في هذا الاختيار، فكلما كنت أتوسع وأتوغل في القراءات التي تناولت القصة العراقية القصيرة، كان يقيني يزداد بأن التهميش الذي وقع على القاص محمود جنداري - في حياته أو بعد موته- يشكل غبنا كثيرا لقاص اعتراف أغلب النقاد العراقيين (لاسيما بعد رحيله) بتفرده وتميزه، إن لم أقل شكّل ظاهرة في القصة العراقية.
وإذا كان لا بد من حضور الرؤية في كل دراسة نقدية، فقد حاولت جاهدا تقديم رؤيتي في فهمي لهذا العالم القصصي عبر الاقتراب من عناصره وتقنياته ودلالاته وموضوعاته وغيرها، في تقسيمات جاءت نتيجة لطبيعة التجريب التي رافقت تطوره الإبداعي، فتبعا للممكنات التجريبية في كل مجموعة قصصية، ارتأيت تقسيم هذا العالم على أربع مراحل، إذ تطورت كل مرحلة عن المرحلة السابقة بشكل واضح المعالم، وأطلق على كل مرحلة تسمية اقترنت بالمهيمنات النصية في تلك المرحلة، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن كل مجموعة قصصية تمثل منعطفا في مسيرة القاص الإبداعية، إذ ظل القاص يتحول من فضاء لم يعد قادرا على صياغة أفكاره وتعبيراته فيه، إلى فضاء أوسع يستطيع احتواء مواقفه من إشكاليات الراهن المستجدة، وما تطرحه من تحديات يتجاوز فيها الفضاءات المستقرة إلى فضاءات قلقة.
ومن الثوابت التي شكلت مفارقة في هذه المراحل التعبيرية، هي استقرار التجريب داخل فضائه الإبداعي، وقد شكلت هذه المفارقة معيارا يلتزم به للوصول بالقص إلى أعمق تأثير ممكن في القارئ. فكان متمردا على القوالب الجاهزة، باحثا عن التقنيات الجديدة التي تضمن له فكره التخلي عن الكتابة تحت نمط إبداعي واحد. من هنا كانت شخوصه متمردة أيضا، لا تؤمن بالاستقرار، ولا تكف عن طرح أسئلتها الإشكالية التي تصنع افقها المفتوح، وتمارس تحولاتها في ابتعادها عن واقعية جامدة، واقترابها من الإبعاد المتعددة، والشك المقترن بالوعي الحقيقي. إذ اقترنت تحولاته بالبحث عن الجماليات النصية في العناصر والتقنيات التي جعلت من علاقاتها بأشكالها علاقة ترابطية، فمن تعبيرية واقعية إلى تعبيرية رمزية تفيد من الدوال المصاحبة لحركة الرمز على امتداد سياق القص، وشكلت بذلك تعبيرا كنائيا يومئ إلى المعنى المقيد أو الدلالة المقموعة، وطغى الغوص في أعماق الشخوص واستنطاقها على نحو لا يخلو من نزوع تحليلي، فاتسع فضاء الزمن الشعوري، وتشظت التداعيات النفسية للمكان، واتجه السرد اتجاها عموديا إلى ابعد نقطة في الشعور، وبهذا استطاع أن يغامر في نزوع تجريبي يوظف فيه تقنيات جديدة تعمل اشتغالاتها على اختلاف المكونات القصصية من مجموعة لأخرى بدءا بمجموعته (أعوام الظمأ) في الستينيات، وانتهاء بمجموعته (مصاطب الإلهة) في التسعينات. ولم يكن هذا الاختلاف متشابكا بالمراحل الزمنية المتتابعة فحسب، وإنما كان مشتبكا بالنزوع التجريبي داخل المرحلة الواحدة. وقد فصلنا في هذا الاشتغال في فصول الأطروحة التي نشرتها كما قلت في بداية حديثي في كتاب عام 2016 بعنوان مغاير (جماليات التجريب القصصي، التعبيري/ الانزياح النوعي/ التقاني).
ولا بد من الإشارة إلى أن الباحث اعتمد مجموعة (مصاطب الآلهة) وهي ذاتها مجموعة (عصر المدن) الصادرة عن دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد عام 1992. إلا أن (دار أزمنة) أضافت إليها حين أعادت طبعها ثلاث قصص هي: (ليلة اصطياد الشمس/ ليلة خسوف القمر) و (وليمة الدم) و (أمواج كالجبال) وصدرت في الأردن عام 1996. وقد أثرت في الفصل الأول أسئلة عديدة في جماليات التجريب، ومفهومه، ومسوغاته مع تقديم مقاربة مكثفة في المنجز القصصي ولا سيما القص العراقي، كما تناولت بإيجاز التجريب عند محمود جنداري. وتناولت في الفصل الثاني الموسوم بـ(التجريب التعبيري) مرحلتين تعبيريتين، هما: مرحلة التعبيرية الواقعية التي كتب فيها جنداري مجموعته (أعوام الظمأ)، وتجلّت جماليات التجريب فيها عبر توظيف تقنيات جديدة أملتها ظروف معينة مثل المونولوج الداخلي، والتداعي الحر، والأحلام، والمناجاة، وهي من تقنيات تيار الوعي. ومرحلة التعبيرية الرمزية التي كتب فيها مجموعته (الحصار)، وقسمت الترميز على ثلاثة أنماط: ترميز الواقع ، وترميز المتخيل، والترميز الأسطوري. وقاربت في الفصل الثالث الموسوم بـ(تجريب الانزياح النوعي) حلقات القصص القصيرة واشتراطاتها الفنية في مجموعته (حالات)، وما وراء القص في مجموعته (مصاطب الآلهة)، وتناولت فيه نمطين من صياغات ما بعد الحداثة في كتابة القصة القصيرة هما: ما وراء القص التاريخي، وما وراء القص الأسطوري. أما في الفصل الرابع الموسوم بـ(التجريب في التقنيات) فقد تناولت تقنيات (شعرية القص) وتضمنت تقانتي (اللغة القصصية) و(العنونة). و(تقنيات حكائية) وتضمنت تقنية (التغريب الحكائي) التي قسمتها على الغرائبي والسحري والفنتازي. وتقنية (الحكاية العمودية والحكاية الأفقية).
ولا أزعم أنني أحطت بكل ما كان يجب أن يقال عن محمود جنداري وإبداعاته القصصية، فالموضوع صعب وشائك، وما هذه الدراسة إلا محاولة متواضعة، فيها من الخطأ والصواب شأنها شأن أي صنيع بشري، فإن أصابت فلها مسراتها الخاصة، وإن لم تصب فيكفيها أنها حاولت أن تجيب على هواجسنا وقلقنا إزاءها.
ولابد من الإشارة إلى مناسبة هذه الكتابة وكأنها صياغة لكتابة مقدمة لكتاب، أقول نعم هي جزء من صياغة مقدمة لأطروحة الدكتوراه التي نوقشت عام 2011، وأقول لا فإنها تلقي الضوء على كتابي (جماليات التجريب القصصي) فحسب، وربما – أقول ربما للاحتراز- سيطبع الكتاب في قابل الأيام في دار نشر أخرى، وبعنوان مغاير، يشير مباشرة إلى كتابات محمود جنداري المختلف.

