-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

جِنِّيّ بقلم : مصطفى عماد / العراق

 جِنِّيّ

بقلم : مصطفى عماد / العراق 



عند أطراف أرضٍ خالية، لا زرع فيها ولا ماء، كان الجسر قائمًا في آخر الأرض، لا يشبه جسور الدنيا. تحته فراغٌ لا يُرى له قاع، وفوقه تمرُّ الأرواح واحدةً تلو الأخرى، وكلُّ واحدةٍ تحمل ثقل حياتها وذكريات من عاش وعجز عن فعل الصواب.


عند صخرةٍ قريبةٍ من طرف هذا الجسر جلس زعفر، متكئًا على عصاه، يراقب القادمين. لا يمنع أحدًا، ولا يرافق أحدًا، لا ينام ولا يغادر، فقط ينتظر، كأنَّه حُكم عليه أن يرى كلَّ شيء، ولا يستطيع أن يشارك.


وفي هذه الأثناء جاء رجلٌ من بعيد، ملامحه متعبة، وثيابه مغبرة، وعيناه حمراوان من البكاء الطويل. كان يمشي كمن فقد طريقه منذ زمن. وقف عند الصخرة، ونظر إلى زعفر بارتباك.


نظر إليه زعفر وسأله:


من أنت؟


قال الرجل:


أنا أبٌ، جئت أبحث عن ولدي.


قال زعفر:


كلُّ من يصل إلى هنا أضاع شيئًا يبحث عنه، ولن تجده حيًّا هنا.


جلس الرجل قرب الصخرة وقال:


قالو لِيَ أنَّ الأرواح تمرُّ من هنا، وأنا أريد أن أرى روح ولدي.


قال زعفر:


وكيف مات ولدك؟


فأجابه الرجل، بصوتٍ تملؤه الحسرة:


ذهب إلى نهرٍ كان معتادًا أن يشرب منه، فغرق فيه ولم يرجع.


تنهد زعفر وقال:


الموتٌ غرقا يعني الموت شهيداً، وأنت حي، والحي لا يعبر الجسر.


صمت الرجل قليلًا، ثم سمع الاثنان صرخاتٍ متلاحقة من جهة الجسر ارتجف الرجل، وارتجف زعفر أيضًا، لكنه أخفى ذلك خلف هدوئه.


سأل الرجل بارتباك:


ما هذه الأصوات؟


بانت على زعفر ملامح الخوف، وقال: 


هذه صرخات من رأى أعماله أمامه. أرواحٌ تمر، ثم تُسأل، ثم تُوزن أعمالها، فإمَّا أن تهوي، وإمَّا أن تعبر.


نظر الرجل إلى زعفر بدهشة وقال:


ولماذا ترتجف أنت؟


تنهد زعفر، وكأن الكلمات تخرج من جرحٍ قديم، وقال:


لأنني رأيت، في أحد الأيام، ميزانًا كهذا قبل أن أصل إلى هنا بوقتٍ طويل.


استغرب الرجل، وأدرك أنه يُكلِّم شخصًا غامضًا، وهيئته غريبة، فسأله بصوتٍ منخفض:


من أنت؟


قال زعفر، ببطءٍ وبنبرةٍ تحمل ثقل الزمن:


اسمي زعفر، وأنا من الجن. خُلقت قبل الإنسان، ورأيت ما لم تره العين البشرية. كنت ممن سمعوا النداء ولبَّوه، ثم مُنعوا. لا أعرف... أأنا عاصٍ لربي إلى درجةٍ لا تُكتب لي الشهادة في ذلك اليوم؟


قال الرجل، بدهشةٍ واستغراب:


عن أي نداءٍ تتكلم؟ وعن أي يومٍ تتحدث؟


رفع زعفر رأسه، كأنَّه يعيد ذاكرةً لم تُغلق منذ قرون، وقال:


نداء الطف... يوم عاشوراء. وقف الحسين بن علي وحده، وارتفعت كلمته: "هل من ناصرٍ ينصرنا؟"


خرجت مع جيشٍ من الجن، قطعنا المسافات في لحظة، ووقفنا في أرض كربلاء. رأينا القلة في مواجهة جيوشٍ لا تُعد ولا تُحصى، ورأينا الأطفال، والنساء، والماء، والعطش، والسيوف، والرماح، والدماء... كلُّ شيءٍ أمامنا، وكلُّ شيءٍ لا يُمس.


قال الرجل:


ولماذا لم تقاتلوا؟


قال زعفر، بصوتٍ ثقيل:


لأن الإمام الحسين عليه السلام قال لنا: "لم أؤذن لكم، فإن نصرتي تكون بالدم، لا بالقدرات. ارجعوا، فإنكم ترونهم وهم لا يرونكم."


فبقينا نرى، لا نقاتل، ولا ننقذ، ولا نستشهد... فقط ننظر.


سأل الرجل:


ورأيته يُقتل؟


أشار زعفر بعصاه نحو الجسر، فانشق، وظهرت كربلاء أمام عيني الرجل، وكلُّ شيءٍ واضح، رغم الدماء والدموع.


ذهل الرجل مما رأى. جيشٌ من الجن يمتد من الطف إلى عنان السماء، من جميع الأحجام والأنواع؛ عمالقةٌ وأقزام، وعلى رأسهم زعفر، وهو يتحدث مع الإمام الحسين عليه السلام.


قال زعفر:


رأيت كلَّ شيء. رأيت العباس بن علي وهو يحمل الراية، والماء أمامه، والعطش خلفه. مدَّ يده إلى الفرات فلم يشرب. قُطعت يمينه فسقطت كفُّه، فحمل الراية بشماله، ثم قُطعت شماله أيضًا، وبقي الجذع واقفًا والراية مرفوعة ثم رأيت السهم في عينه، ورأيته يسقط على الأرض وينادي أخاه.


ثم قال متحسرًا:


في تلك اللحظة تمنيت أن أُمحى من الوجود.


وسكت قليلًا، ثم أكمل:


ورأيت عليًّا الأكبر، خرج يشبه رسول الله خلقًا وخُلقًا. قاتل حتى أُثخن بالجراح، ثم سقط. رأيت الحسين يركض نحوه، وينحني عليه، ولا يجد مكانًا سالمًا ليضع يده عليه.


ثم رأيت طفلًا رضيعًا، لم يعرف ذنبًا ولا حربًا. رفعه الحسين بيديه، وطلب له شربة ماء، فرأيت السهم يخرج من القوس ويستقر في نحره.


ثم رأيت الحسين وحيدًا، والخيول تقترب، وجيوشهم تحيط به. رأيت جسده يُثخن بالجراح، والسيوف تقطع أوصاله، والرماح تطعنه. رأيت رأسه يُقطع، والخيول تدوس جسده.


سكت زعفر قليلًا، ثم قال:


لم ينتهِ الأمر بعد.


رأيت الخيام تُحرق واحدةً تلو الأخرى، والدخان يعلو إلى السماء، ورأيت النساء والأطفال يُساقون سبايا، وزينب واقفة لا تنكسر، وعيناها تلمعان بالعزة رغم ما حدث. رأيت كلَّ أخ، وكلَّ ابن، وكلَّ رجلٍ سقط، وكلَّ شيءٍ تحول إلى صمت... دم، ودموع، وصرخات.


قال الرجل باكيًا:


وكلُّ هذا رأيته؟


قال زعفر:


رأيته... ولم أستشهد. لم أستطع أن أرفع سيفًا، ولم أستطع أن أوقف هتك حرمة.


ثم أشار زعفر بعصاه، فعاد الجسر كما كان.


وقال:


ومنذ ذلك اليوم بقيت أحرس الجسر، وأُذكِّر كلَّ من يمر أن القرب من الحسين شرف، وأن عدم نصرته، حتى لو كان طاعةً، وجعٌ لا ينتهي.


قال الرجل، بفخر:


أنا وأنت مختلفان يا زعفر. ابني قضى عمره خادمًا للحسين، يقاتل في سبيله، وكان صادقًا في خدمة الحق، لم يتهرب يومًا، ولم يعرف الخوف، حتى غرق في نهرٍ يُسمى سبايكر، وترك جسده هناك، لكنه بقي حيًّا في خدمة الحسين بروحه ووفائه.


وبينما كان الرجل يُكلِّم زعفر، مرت روحٌ بنورٍ هادئ على الجسر. لم تصرخ، ولم تتعثر. توقفت لحظةً قصيرة، كأنها التفتت إليه. لم يرَ ملامحها، لكنه عرفها.


شعر بدفءٍ يسري في صدره، وسمع صوتًا يقول:


لا تبكِ يا أبي... أنا في سفينة النجاة.


ثم عبرت الروح الجسر.


وبقي الرجل واقفًا، لا يبكي هذه المرة، بل يبتسم... بوجعٍ مطمئن.

عن محرر المقال

aarb313@gmail.com

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية