لا يستقيم الظل والعود أعوج .. بقلم /د. صالح العطوان الحيالي -العراق
حكمة بالغة قليلة في كلماتها وحروفها , لكنها غنية فى معناها , ثرية فى مغزاها, عميقة قوية في فحواها . تلك الحكمة تقول " كيف يستقيم الظل والعود أعوج..!؟" . نعم .. لايمكن للشجرة المائلة المعوجة الآيلة للسقوط أن يستقيم ظلها . لأن الصورة تكون مطابقة للأصل . ولا يمكن أبدا أن يكون المرء مستقيما واعيا قائما على أصوله لا يفرط فى حقه ولا يتنازل عنه ويكون ظله مائلا ومعوجا . كذلك لايمكن أن يكون أي شعب على وجه هذه الأرض مستقيما قويا مطالبا بحقوقه سلميا , ويكون ظله معوجا ومائلا . لأن الشئ من معدنه لايستغرب . فالشعوب القوية الواعية كالشجرة المستقيمة السامقة الشاهقة أصلها ثابت وفرعها فى السماء . أما الشعوب التي ارتضت التنازل عن حقوقها طواعية , فهي كالشجرة الخبيثة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار . إن الشعوب التي فرطت فى حقها من حرية وكرامة إنسانية وعدالة اجتماعية , كالقيعان لا ينبت مرعاها ولا يثبت ثراها , فهي أرض سبخة ولو أسقيتها بماء الورود , فلن تنبت إلا الشوك والحنظل المر .
إن هناك شعوبا تخلت عن حريتها طواعية مقابل لقمة العيش وكسرة الخبز . فلاهي نالت حريتها , ولاهي شبعت ونالت حقها فى حياة حرة كريمة . فعاشت تلك الشعوب ردحا من الزمن تلحس التراب فى حظيرة العبودية وقلة الكرامة وندرة الشرف والعزة . . لايمكن لكسرة الخبز أن تكون بديلا عن الحرية , وإلا لعاشت البشرية عيشة حيوانية بهيمية غير إنسانية . فالأنعام تآكل وتشرب وتملأ بطونها غير أنها ليست حرة . فهى تعيش تحت لهيب الكرباج ونار السياط . يقول الشاعر : الذليل بغير قيد مقيد.. كالعبد إن لم يسد بحث له عن سيد . فالذليل قيد نفسه وإن لم يقيده أحد لأنه تعود أن يعيش عبدا مملوكا لسيده كالعبد الآبق الذي لايقدر على شئ . كذلك الشعوب التي عاشت فى ظلام كهف العبودية تشعر بالدوخة والدوران والشعور بالتقيؤ والإسهال أن أشرقت شمس الحرية فجأة على حين غفلة منها .
إن العبودية ليست قدرا مقدورا على الشعوب . كما أنها ليست مصيرها المحتوم التي يجب أن تؤمن به وترضخ له . نعم.. العبودية ليست قدرا مكتوبا على جبين الشعوب العربية والإسلامية , عليها أن تؤمن بها وأن تجعلها الركن السادس من أركان دينهم الحنيف . لأن الإسلام فى الأصل رسالة حرية وكرامة إنسانية , وهل هناك عبودية أشد وأكبر من العبودية لغير الله..؟ دخل معبد بن خالد الجهني, وعطاء بن يسار على الحسن البصري, وهو يحدث الناس في مسجد البصرة فسألاه: " ياأبا سعيد, إن هؤلاء الملوك يسفكون دماء المسلمين , ويأخذون الأموال, ويفعلون, ويقولون: إنما تجري أعمالنا على قدر الله" , فأجابهما الحسن قائلا: " كذب أعداء الله " نعم.. لأن الناس خلقهم الله أحرارا , ولايمكن للمرء أن يعيش مستعبدا بحجة أن هذا قدر الله .
يستخدم المعلمون والوعاظ هذا المثل عادة كطريقة منطقية للإقناع، وفعلاً لا يمكن للعود أو الجذع الأعوج أن يعطي ظلاً مستقيماً، كما لا يمكن للفاسد أن ينتج عملاً صالحاً، تلك مسألة محسومة بالدليل الملموس، أما أمي فتقول مثلاً آخر يثبت حقيقة أن (النتائج تعتمد على المقدمات) فإن أردت أن تحظى بابن بار مثلاً فما عليك إلا أن تكون باراً بوالديك وأن تربي ابنك على فضيلة البر.
يقول الكبار في السن إن (الحَبْ يطلع على بذره) فبذور القمح لا تنتج تفاحاً بطبيعة الحال، وهذا يقودنا لنتساءل عن أسباب تغير أساليب ومعايير التربية الأخلاقية والقيمية في الكثير من أسرنا، وبشكل يختلف تماماً عما تربت عليه الأجيال السابقة. المشكلة هي أن الاختلاف للأسوأ، هذه هي الحقيقة، حتى وإن غضب البعض.
لأن الحياة تتغير، وما كان يناسب الأولين لا يناسب أبناء اليوم؛ فلكل زمان دولة وأجيال.
أولاً علينا أن نضع هذا التبرير جانباً لأنه استخدام غير موفق وفي غير مكانه، الحياة تتطور نعم، لكن في الجانب المادي، في وسائل المواصلات في أشكال البيوت في هندسة الطرق والمدن؛ لكن ما علاقة التطور بتدمير قيم الجدية والالتزام واحترام الوقت وقيم الرجولة والكرم والشهامة والغيرة والشرف...
هل علينا أن نغير أخلاقنا كما نغير أثاث منازلنا لنساير العصر؟ هل أصبح من متطلبات التطور أن يسكت الأب عن تجاوزات أبنائه وانحرافاتهم، وأن تربت الأم على كتف ابنها وهي تراه أكثر أنوثة من شقيقته؟! هل أصبح من قيم الحداثة ألا ننصح أبناءنا وإخوتنا لأننا قد نحرجهم ونتدخل في شؤونهم؟
هناك تراخٍ مقصود في قيم التربية داخل الكثير من الأسر، ليس بسبب الحداثة، ولكن لغياب وعي الوالدين واللامبالاة، ولأن الأم لا تريد أن تتعب نفسها في التوجيه والمتابعة، ولأن الأب منشغل بخصوصياته وعلاقاته؛ فمن يتحمل كلفة ذلك كله؟ المجتمع طبعاً، لذلك نقول مجدداً: جزى الله خيراً صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد لتبنيه برنامج التربية الأخلاقية في مدارس الدولة؛ فحين يتراجع دور الأسرة لا بد أن تنهض المدرسة بدور مضاعف!
نردد دوما “لا يستقيم الظل والعود أعوج”، ولكننا نغفل عمن هو الظل ومن هو العود، أي بمعنى آخر من الأصل ومن الفرع أو الصورة إن جاز التعبير، سيقول أغلبنا: الحكام هم العود ونحن الشعوب الظلال، أليس الناس على دين ملوكهم؟ وهي قاعدة تناقض قواعد الشريعة لمن يدعي التمسك بها، ولا يسندها أي بحث علمي لمن يحرص على العلم التجريبي ويدعو له.
من انتخب النواب والحكام؟ أليس المرشحون هم أبناؤنا وأخوتنا وأهلنا وأصدقاؤنا؟، ألسنا نضع أصواتنا في صناديق الانتخاب لمن له بنا قرابة وصداقة وإن كان تافها لا يصلح لشيء، ونحارب ونرفض التصويت لمن كان كفؤا فقط لأنه من عائلة غير عائلتنا أو قبيلة نراها أقل مرتبة من قبيلتنا؟
ألسنا نصفق ونطبل لمن يعطينا ما ليس لنا بغير حق، ونعتبره فارسا وكريما وذا مروءة، ونلعن ونلفق التهم ونشوه من يطبق القانون ويحترم النظم لأنه رفض وساطتنا أو لم يأخذ بجاهنا؟
لن يستقيم الظل والعود أعوج، فلنتمعن فيها ولا نميعها ولا نبحث عن مشجب نعلق عليه إخفاقنا، ولنتوقف عن ممارسة دور الضحية، فنحن من بيدنا إنهاء المأساة التي أرجو ألا تكون أبدية.
حكى انا رجلا كان يغير موضع غصن مئات المرات لعله يرى صورة لذاك الغصن مستقيمة !!!! حتى مر به أحد الحكماء مستغربا من أفعاله فسأله الحكيم عن مراده ! فقال الرجل أحاول أن أرى صورة الغصن هذا مستقيما ! فضحك الحكيم وقال له : خذ هذا الغصن الذي هناك واستبدله بغصنك وانظر الى ظله ! فأسرع الرجل ممسكا بذلك الغصن الذي اشار اليه الحكيم ونظر لظله ! وكان مراد الرجل بأن رأى الظل مستقيما ! فضحك الحكيم قائلا للرجل : إن الغصن المستقيم يكون ظله مستقيما ! وأن الخير يولد من الاخيار والشر مكانه الاشرار ! واعلم ايها الرجل ان صلاح الرعية بصلاح راعيها !وان اي امر فاسد يصنعه المفسدون !وأن الحق لايحارب الا من الظالمين ! وهكذا هي حال الدنيا دواليك والسفينة بركود الماء تسير وبجبال الموج تكاد تطير !!!! عندها علم الرجل ان الحكمة هي اساس الفعل وجوهر القول وان صاحبها مولود وتاركها مفقود ....................
فقصة الظل والعود هذه الأيام تأخذ منحى خطيرا جدا بالعملية الانتخابية التى ينتظرها أغلبية الشعب العراقي العزيز ! فالبحث عن الاستقامة هو أمر مهم جدا للناخب وغياب الحكمة ستقودنا لما لايحمد عقباه !! فشعارات المرشحين كثيرة وأعدادهم أكثر وقوانين الانتخاب محيرة لكثير من الناس ! فبعضهم تقبلها والبعض الآخر لم يستطع ان يستوعبها ! فرمز العود لايقتصر على المرشح بل ايضا يجسد حالة البنية السياسية للدولة مما تقوم به من اجراءات اصلاحية ومما تحاول إيصاله للمواطن من اجراءات النزاهة والشفافية بالعملية الانتخابية القادمة !! فالمرشح والناخب والنظام الانتخابي ومايصحبه من سياسات تجسد العملية الانتخابية تتداخل جميعها سواء بسواء لتنتج ما يفرزه العمل الإنتخابي المشترك بين جميع المتلازمات السابقة !!! فقانون الانتخاب وان كان لنا كمواطنين من ماخذ عليه وأيضا نماذج المرشحين وما لنا ايضا من مآخذ على بعضهم وعلى شعاراتهم وكذلك أنموذج الناخب المثالي بما يحوية من نظرة مستقبلية لنوع المرشح وما سيكون علية اختياره للمناسب من دوائر وقوائم المرشحين !!! جميعها تشكل البنية الرئيسية للعمل الانتخابي والعملية الديموقراطية القادمة ! فالعملية الانتخابية التي اقنعتنا بها الحكومة منذ فترة وصورتها على انها ستكون نموذجاً مثالياً للانتقال للعمل النيابي الحر النزيه المؤثر على المستقبل الإصلاحي يجب ان تبقى بذاك المفهوم الذي استقبله المواطن من الدولة بحيث لاتحدث اي فجوات مخلة بسير العملية الانتخابية !! من حيث اجراءات الشفافية والنزاهة ومحاربة الفساد !!! وان تكون الالتزامات بمستوى الوعود الموجهة للشعب !!! وان يكون الاجراء الرادع للمراقبة الحثيثة الموعود بها من قبل اجهزة الدولة فاعلة وجازمة وتمتاز بروح الشفافية والانتماء الحقيقي للمواطن ومستقبله كناخب وليس للمرشحين وطموحاتهم !!!! فالطموح المنتشي بروح المؤامرة على المواطن والوطن مرفوض من الجميع ويجب ان يكون بنفس الدرجة عند النظام والاجهزة المسؤولة من جهة وعند المواطن الشريف الواعي لمصلحة الوطن من جهة أخرى !!! فالتزام النظام وأجهزته المسؤولة يشكل العمود او الغصن الذي ننتظر نحن كمراقبين ومواطنين ظله المستقيم ! حيث تعتمد مقدار الاستقامة على مدى إخلاص التطبيق السليم لاجراءات الانتخابات ! فبالتالي إما أن نحكم على العملية الانتخابية بالنجاح والشفافية والنزاهة وإما أن نشيعها لانتظار ما سياتي من الشارع لاحقا !!!!! فالمواطن الذي ينظر للمستقبل بتطلعات الأمل والاصلاح ومقاومة الفساد ينتظر من الحكومة الحالية مايؤكد النهج الاصلاحي المرسوم من قبل النظام ولا يهمه ما ستخرج به تقارير المراقبين الدوليين وغيرهم..
