قصة قصيرة
خمس دقائق تكفي
الأديبة أميرة ابراهيم /سورية
منذ أن شب مجد وهو يدرك تماما المسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتقه، فبعدما توفي والده بحادث سير وجد نفسه مسؤولا عن عائلة مؤلفة من أمه وأختان تصغرانه، كانت الحياة قاسية لدرجة يعجز العقل عن تحملها، لكن الله كان معينا لهم.
عاش عصاميا غارقا بالعطاء لمن حوله، يبذل كل جهده ويعمل ليل نهار ليوفر حياة كريمة لأسرته، وتعليم أخواته.
رغم تركه للدراسة لسنوات عديدة إلا أنها كانت حلمه وغصة عمره، فكر أن يتقدم لامتحانات الشهادة الاعدادية،درس واجتهد و نجح بتقدير جيد جدا، مما دفعه للدراسة في تقديم الشهادة الثانوية، ثابر وعمل بلا كلل أو ملل، ونال مراده وأصبح شابا طموحا جدا، حين فتحت أبواب الجامعات أمامه كاد يطير من الفرح لأنه سيحقق حلمه الأكبر، ويدرس في جامعة الفنون الجميلة (قسم المسرح والسينما ) كان يتدرب دوما على تقنيات التمثيل والالقاء والارتجال والغناء وحركة الجسد يتابع الأكاديميين في هذا المجال الذي يتطلب تدريبا عمليا ومهارات جسدية وصوتية عالية، سواء على خشبة المسرح أو السينما.
رغم ضغط العمل الذي كان يثقل كاهله لكن الاصرار كان الأقوى، تمر الأيام وهو يحلم أن يقف على خشبة مسرح أو أن يكون له دور بسيط في عرض ما، كان في كل ليلة يتدرب ويتقمص الأدوار التي يقرأ عنها أو يشاهدها، تراه يبكي بحرقة لمشهد حزين ويضحك ضحكة هستيرية تفيد المشهد الساخر، كان يحب التمثيل لدرجة كبيرة إلى أن أتى ذاك اليوم الذي غير مسار حياته.
في ذلك اليوم كان يتابع خلف الكواليس مشاهد تدريب لمجموعة من الممثلين الذين يصورون مقاطع من مسرحية عالمية ل( آرثر ميلر) بعنوان (وفاة بائع متجول) والتي كانت لها نصيب كبير في تدريباته في البيت لوحده، كان أحد الممثلين الذي يمثل شخصية البطل يتلقى الكثير من التوجيهات والتنبيهات من المخرج المسرحي وقد أعادوا المشهد لمرات عديدة، إلى أن قرر المخرج أن يؤجل التدريب إلى الغد ليبحث عن ممثل أفضل، هنا تقدم مجد وطلب من المخرج أن يؤدي الدور( فرصة ولو لدقائق) ابتسم المخرج بطرف فمه، هز رأسه
وقال : هل مثلت سابقا ؟
ارتبك مجد وقال: نعم في غرفتي، وأمام الأهل والأصدقاء.
قهقه المخرج وقال: سنرى أداءك لاحقا عزيزي.
ـ (انتظر أرجوك) قالها مجد بسرعة، امنحني خمس دقائق فقط،خمس دقائق ستكفي، ثم سأنصرف إن لم يعجبك أدائي.
على مضض وافق المخرج وجلس على الكرسي وقال تفضل ابدؤوا من جديد .
كانت دقائق قليلة لكنها كانت حلما كبيرا لمجد، كان بارعا في أداء المشهد بكل تفاصيله وحركاته وألفاظه وتأثيراته الجسدية، كان ذهول المخرج كبيرا ولم يتمالك نفسه فوقف وصفق طويلا قائلا: نعم.... هكذا.... أحسنت.
لكن مجدا لم يتوقف، بل تابع المشهد بكلمات وحركات ارتجالية وكأنه يلخص شريط حياته البائسة كلها، الأداء مستمر والتصفيق مستمر وهناك في زاوية ما من يصور كل شيء من خلال كاميرا صغيرة، يشير المخرج لمجد بالتوقف، لكن لا مجيب، يصمت حين ساد الصمت كل القاعة، ويستمر ويصدح صوته ويملأ المسرح فتهتز الستائر والقلوب، وتمتلئ المحاجر بالدموع، بعدما أفرغ مجد حمل وألم سنوات مضت خر على الأرض ودموعه تملأ وجهه، وعيناه إلى السقف المرتفع وكأنه يخاطب روح والده المتوفى ليخبره أنه نجح في حياته وكان كما يتمناه كل أب لولده.
كان عرضا قصيرا من خمس دقائق لكنه عرض خال من التجهيزات المسبقة،عرض كما هو بدون إخراج ومونتاج أو كتابة، عرض عجن بماء العين وعرق جبين، فيما بعد عرض على الشاشات وقد لاقى تأييدا وتشجيعا، وكانت الشرارة لشهرة وانطلاق ممثل وثق بقدراته، وحقق طموحه ولم يفشل وأصبح يمثل دور البطولة في عدد من الأفلام الكبيرة الناجحة.

