-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

مفارقة الثبات والتيه في الخطاب الروائي لنعمت الحاموش

 سيميائية المرساة والرمال:

 مفارقة الثبات والتيه

 في الخطاب الروائي لنعمت الحاموش

بقلم الاستاذة الدكتورة وسام علي الخالدي / العراق



 


يُشرع العنوان الأدبي بوصفه الثريّا النصيّة الأولى، والوسيط الدلالي الذي يختزل شفرات المتن ويُوجّه أفق انتظار القارئ. وفي رواية "مرساة في رمال" للكاتبة نعمت الحاموش، لا يقف العنوان عند حدود التسمية التعيينية، بل يتجاوزها ليصبح بنية أيقونية مشحونة بالمفارقة الوجودية والسيميائية؛ إن وضع "المرساة"—بما تحمله من حتمية الثبات والاستقرار والتشبث بالقاع الصلب لإنهاء رحلة التيه—في مواجهة "الرمال"—بما تمثله من سيولة وحركية وابتلاع وغياب للمركز—يخلق صدمة دلالية تفكك الوظيفة الأصلية للأشياء، فالمرساة هنا لا تُنقذ السفينة بل تشرنق الذات، والرمال لا تدعم الاستقرار بل تُعمق التيه. هذا التضاد السيميائي الحاد هو المحور الرؤيوي الذي تتخلق منه تجربة البطلة "مدى"، محاصرةً بين ثبات عاطفي مطلق يعيش في الوهم، وبين واقع متحرّك يتشظى بفعل الحرب والانكسارات.  

​وتتحول الدالّتان الطوبوغرافيّتان (المرساة والرمال) في الخطاب الروائي للحاموش من فضاء الجغرافيا المحسوسة إلى جغرافيا نفسية باطنية تُشخّص أزمة الذات المغتربة؛ إذ تُمثل المرساة في الفضاء النفسي لـ "مدى" ذلك التعلق العاري بالأستاذ "نور"، وتحويله إلى مركز كوني ثابت وأيقونة صوفية لا تطالها المتغيرات، في محاولة مستميتة لتجميد الزمن عند لحظة عشر سنوات مضت، حيث يصبح الثبات هنا مرادفاً للاحتجاز الاختياري داخل زنزانة الذاكرة. وفي المقابل، تنهض "الرمال" كعادل موضوعي لواقع الحرب اللبنانية المتذبذب، ولزمن المأساة الذي يبتلع الأحلام والوجوه. الرمال هي السيولة التي تُفقد الأشياء يقينها، وتحوّل انتظار "مدى" اللامتناهي إلى غوص مستمر في العدم والسراب، حيث كل محاولة للوقوف على أرض صلبة تنتهي بابتلاع الرمال لأصابع الحلم.  

​وتتجلى شعرية الخطاب عند الحاموش من خلال رصد الفجوة السيميائية بين الثبات الموهوم والتيه الفعلي؛ وتكمن المفارقة في أن الذات الراوية (مدى) تظن أنها تلقي بمرساتها في عمق اليقين (نور)، في حين أنها تغرسها في خاصرة الوهم (الرمال المتحركة). إنها مكابدة العشق الصوفي لكائن غائب، وتحويل الذات الإنسانية إلى صنم عاجي فريد، ليكون المآل الحتمي هو الخيبة واستحالة الاتحاد الروحي. هذا التيه لا ينبع من ضلال الطريق، بل من ثبات الرؤية في فضاء متحوّل؛ فالأستاذ "نور" الذي تشبثت به المرساة لم يعد كائناً حقيقياً بقدر ما صار حالة ذهنية واغتراباً ذاتياً، مما جعل الزمن مصلوباً على جدار الانتظار الخائب، وجعل العزلة تشرنقاً ينخر عظام السرد.  

​ولم يكن هذا التيه السيميائي في النص منبت الصلة عن سياقه الموضوعي، إذ يتداخل الخراب الداخلي للبطلة مع الخراب الخارجي للوطن مكلوم الحرب؛ وتنعكس تداعيات الحرب والدمار السوسيولوجي في لبنان على البنية اللغوية للرواية، فاللغة عند نعمت الحاموش لغة شاعريّة مكثفة، تميل إلى أبجدية الصمت والتدفق العاطفي الحزين. إنه أدب التمزق بامتياز، حيث يتداخل صوت فيروز الدافئ مع "أشجار الذل" والواقع اليومي المأزوم. إن السلام المزيف الذي يعقب الحروب لم يمنح "مدى" أماناً، بل ترك أعماقها حذرة، مرتعشة، كفراشة ترتدي ثوب الاحتراق المقدر لها سلفاً، والجفاف الذي يضرب العلاقات الإنسانية في المتن يُحيل تشرين الذاكرة إلى خريف دائم، تذوي فيه أوراق اليقين وتذوب صخرة الأمل تحت وطأة الواقع العاري.  

​تخلص القراءة السيميائية لخطاب نعمت الحاموش الروائي إلى أن "مرساة في رمال" هي إدانة صارخة للانتظار المفرط وتعرية سيكولوجية عميقة لبؤس التعلق بالمثال. لقد نجحت الكاتبة في تحويل المفارقة البنيوية للعنوان إلى حركة ديناميكية داخل النص؛ فبينما كانت المرساة تبحث عن القاع، كانت الرمال تؤجل الوصول وتعمق التيه. وفي نهاية المطاف، لا يكون الانعتاق والتحرر لـ "مدى" إلا باكتشاف خديعة المرساة ذاتها، والاعتراف بأن الثبات في الذاكرة هو أشد أنواع الضياع ضراوة، وأن مواجهة الرمال والاعتراف بسيولتها هي الخطوة الأولى نحو استعادة الذات المستلبة من براثن الوهم والغياب.  

ويتبدّى هذا التضاد السيميائي جليّاً عبر شواهد المتن الروائي التي تعكس تمزق البطلة؛ ففي لحظات البث الوجداني الراعف، تصطدم مرساة "مدى" برمال واقعها الحارق حين تصرخ بلسان الانكسار: «عشر سنوات مضت، وأنا ما زلت أقف في محطة القطار ذاتها، أنتظر قطاراً أعلم يقيناً أنه لن يأتي، لكنني لا أملك ترف المغادرة». هذا الشاهد يجسّد ذروة الثبات العاطفي الموهوم، حيث تتحول المحطة إلى قيد، والانتظار إلى طقس مصلوب على جدار العزلة والتشرنق، وهو ما يعمّق مفارقة التيه في فضاء متجمد.  

​إن الرمال في الرواية ليست فضاءً مكانياً عابراً، بل هي قوة لامتناهية لابتلاع الهوية وتجريف الملامح، وتظهر هذه الدلالة السائلة حين تعبر الكاتبة عن ذوبان اليقين وتهاوي الذات أمام سطوة الغياب والخراب، قائلة على لسان بطلتها: «كلما حاولتُ أن أغرس أصابعي في أرض صلبة لأستند، شعرتُ بالرمال وهي تتسرب من بين أصابعي، تبتلع الأحلام والأشخاص والوجوه، وتتركني عاريةً أمام ريح الشك». هنا تصبح الرمال عادلاً موضوعياً لسيولة الحرب التي طحنت الفضاء اللبناني، حيث تغدو محاولات التمسك بـ "الأستاذ نور" كإلقاء مرساة في قاع متحرك لا يكف عن الابتلاع والتحول.  

​ويتأكد هذا التيه الباطني في مواجهة هالة "المثال" المتخيل، حيث تكشف الشواهد أن التعلق لم يكن بشخص "نور" الإنساني بقدر ما كان تشبثاً بوهم الاتحاد الروحي والصورة الأيقونية التي خلقتها الذات المغتربة لنفسها. وتتجلى هذه المكابدة الصوفية الخائبة في قولها: «لم تكن أنتَ من أحببتُه طوال هذه السنين، بل كنتُ أحبّ صورتك التي رسمتُها بدموعي على جدار غرفتي المظلمة؛ لقد صنعتُ منك إلهاً عاجياً، والآن أدفع ثمن هذا التقديس انكساراً وتشظياً». إن هذا الشاهد السردي يمثل لحظة التكاشف والتعرية السيكولوجية، حيث تصطدم "المرساة" (التقديس والثبات) بـ "الرمال" (الانكسار والتشظي)، معلنةً نهاية رحلة الوهم العاتية.  

​وفي الختام، تظل هذه الشواهد النصية بمثابة البؤر الضوئية التي تُحيل القارئ إلى فلسفة نعمت الحاموش في إدارة صراع الذات والواقع؛ فالرواية بشواهدها الحزينة تدين الاستسلام للماضي، وتؤكد عبر لغتها الشاعرية المكثفة وأبجدية صمتها الراعف، أن الوعي بخديعة "المرساة" هو بداية الانعتاق الحقيقي، وأن التحرر من الرمال يقتضي أولاً الكف عن الركوع أمام أصنام الذاكرة المتهدمة.

عن محرر المقال

aarb313@gmail.com

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية