صمتُ الجدرانِ العارية
أ . سمية جمعة سورية
حين أفتح باب بيت أبي، أشعر أن الزمن لم يغادره. إبريق القهوة النحاسي ما زال في مكانه، وستارة النافذة تتحرك مع الهواء كما كانت أيام أمي. حتى رائحة الهيل، كلما دخلت، تخيلت أنها ستخرج من المطبخ وتمسح يديها بمئزرها وتقول:
ـ تأخرتِ يا سارة.
لكن البيت لم يعد بيتًا، وأمي لم تعد هنا.
بعد وفاة أبي، كنا جميعًا نلتف حول أمي. كانت تعرف كيف تمنع الخلاف من أن يكبر، وكيف تجعلنا نخرج من كل نقاش ونحن نظن أننا المنتصرون. وحين رحلت هي أيضًا، لم يتغير البيت وحده، بل تغيرنا نحن.
في الأسبوع الأول، قالت أختي الكبرى:
ـ ابقي عندي حتى تهدأ الأمور.
ظننتها تقصد حزني.
بعد شهر قالت وهي ترتب غرفة الأطفال:
ـ سارة... هل يمكنك الانتقال إلى بيت أخينا؟ الأولاد كبروا، ولم تعد الغرفة تتسع.
لم أغضب. أقنعت نفسي أنها محقة.
لكن الأمر تكرر. من بيت إلى آخر، ومن غرفة إلى أخرى. كنت أحمل حقيبة صغيرة لا تفرغ أبدًا، كأنني ضيفة لا يعرف أحد موعد مغادرتها.
في إحدى الليالي، سمعت زوجة أخي تهمس له، ولم تكن تعلم أن الباب نصف مفتوح.
ـ إلى متى ستبقى عندنا؟
أجابها بصوت خافت:
ـ ماذا أفعل؟ إنها أختي.
ـ وأنا لا أقول اطردها... لكن لكل بيت ظروفه.
أغلقت الباب بهدوء، وعدت إلى فراشي. لأول مرة شعرت أن الجدران تعرف أنني غير مرغوب بي.
بعد أشهر، جمعتنا أختي.
وضعت فنجان الشاي أمامي وقالت بنبرة حاولت أن تبدو حنونة:
ـ جاء رجل محترم يريد الزواج منك. أرمل، لديه ثلاثة أطفال، ووضعه المادي جيد.
نظرت إليها بصمت.
تابعت كلامها:
ـ الحياة لا تنتظر أحدًا يا سارة.
ثم أضافت بعد تردد:
ـ وأنت أيضًا تحتاجين بيتًا... نحن جميعًا لدينا مسؤوليات.
لم تقل كلمة "عبء"، لكنها بقيت معلقة بيننا، واضحة أكثر من أي لفظ.
وافقت بعد أيام.
لم أكن واقعة في الحب، ولم أكن أحلم بفستان أبيض. كنت فقط أبحث عن مكان أشعر فيه أن وجودي لا يحتاج إلى تبرير.
استقبلني أطفاله بحذر في البداية.
كانت الصغيرة تخبئ ألعابها كلما دخلت الغرفة، وكأنني سأسرقها.
بعد أسابيع مرضت، وجلست بجانبها طوال الليل. وحين فتحت عينيها مع الفجر، أمسكت يدي وهمست:
ـ ماما... لا تذهبي.
توقفت الكلمة في قلبي طويلًا.
لم أصحح لها شيئًا.
منذ ذلك اليوم، صار البيت يمتلئ بالحياة. لم أشعر أنني أنجبت أطفالًا، لكنهم منحوني أمومة كنت أظن أن العمر تجاوزها.
أما زوجي، فلم يكن كثير الكلام، لكنه كان يعرف متى يصمت، ومتى يضع يده على كتفي دون أن يسأل.
بعد عامين، وصلني اتصال من جار قديم.
قال مترددًا:
ـ هل تعلمين أن بيت أبيكم بيع؟
ظننت أنني أخطأت السمع.
ـ بيع؟ كيف؟
ـ إخوتك أنهوا إجراءات حصر الإرث منذ مدة... ووقعت الأوراق.
أغلقت الهاتف وأنا أراجع ذاكرتي.
لم يطلب مني أحد توقيعًا.
لم يخبرني أحد بشيء.
حين واجهت أخي، قال ببرود:
ـ أنت كنت متزوجة، ولم تهتمي بالبيت.
قلت:
ـ وعدم اهتمامي يعني أن حقي يسقط؟
رد بنفاد صبر:
ـ لا تكبري الموضوع. المال صُرف، وكل واحد أخذ نصيبه.
ـ وأنا؟
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم قال:
ـ اعتبريه نصيبك من وقوفنا معك طوال السنوات.
أغلق الخط.
جلست أحدق في الهاتف طويلًا.
في المساء، أخبرت زوجي بكل شيء.
لم يقاطعني.
وحين انتهيت قال:
ـ هل تريدين حقك؟
قلت بعد صمت:
ـ أريد أن أعرف لماذا فعلوا ذلك.
ابتسم بحزن.
ـ قد لا تعرفين الجواب أبدًا، لكن القانون يعرف حقك.
في اليوم التالي، ذهبنا إلى المحامي.
أخرج الأوراق، وقرأها بهدوء، ثم رفع رأسه وقال:
ـ من حقك رفع دعوى، وفرصتك قوية.
خرجت من مكتبه وأنا أحمل ملفًا صغيرًا، لكنه بدا أثقل من البيت كله.
في الليل، رن هاتفي.
كان أخي.
تركت الهاتف يرن مرات عدة قبل أن أجيب.
قال بغضب:
ـ ستقاضين إخوتك؟
سألته بهدوء:
ـ قبل أن تسألني هذا... أخبرني، لماذا لم تخبروني ببيع البيت؟
لم يجب.
كرر سؤاله نفسه.
قلت:
ـ أنا لا أقاضي إخوتي... أنا أطالب بحقي.
ساد صمت طويل.
كان أول صمت بيننا لا يخفيه أحد.
أنهيت المكالمة، ونظرت حولي.
أطفالي يضحكون في الغرفة المجاورة، وزوجي يقرأ كتابًا، والبيت يغمره دفء افتقدته سنوات طويلة.
أدركت أن القضية لم تعد بيتًا بيع، ولا مالًا ضاع.
القضية أنني للمرة الأولى منذ رحيل أمي، لم أعد أخاف من المطالبة بما أستحق.
أما بيت أبي... فسيظل يسكنني، سواء عاد إليّ حقه، أم بقي مجرد رائحة قهوة تحفظها الذاكرة.

