مع خيمتي
عمر حمش
جاء إبريل، وولّى الشتاء، وقلتُ: سأنام هادئ البال.
احتسيتُ آخر كأس شايٍ مُرّ، وفرشتُ فرشتي الممنوحة، والتحفتُ بالبطانية الخشنة. وكان الجوُّ رائقًا، والسماءُ تلوّنت بزرقةٍ مدهشةٍ لم تشبها شائبة، فيها جلس القمر متفاخرًا، لا ينافسه في مُلكه العالي ملك.
وكان مرصدي ثقبٌ في الخيمة جاور جبهتي؛ منه أختلس النظر إلى كلّ هذا الجمال الذي شرع يراوغني، وعبر الثقب يهتزّ لي ويراقصني، وأنا أغمض عليه ممسكًا، ومعه أستدعي ما لذّ ممّا فات، مرسلًا خاطري إلى ملتوياتٍ من أثيرٍ غرقتُ فيها، حتى هويتُ في غيهبٍ جميل، وابتعدتُ، كم ابتعدتُ، وارتقيتُ حدائق معلّقة؛ طرتُ على زهرها، وطفتُ، ثم انتقيتُ من روائعها، فأخذتُ من الجوري والفلّ، وأكثرتُ من الياسمين، وصنعتُ باقة.
وجاءت شريكتي الراحلة على عجل، ساعيةً في فراغ: لا رمل تحت قدميها، ولا نبت، ولا جماد. وفردت ذراعين مع طرفي شال حرير، مبتهجة بلا علّة فيها ولا تعب، ودارت، وأنشأت لي خطوطًا من وهج، وأنا المنتظر بباقتي، الفرحُ بعودة وصلٍ كأننا عقدنا موعده.
في هذا مكثتُ أتذوّق هيئة الحالمة التي تتهادى من بعد، ثم ترنو من قرب، وأنا لم أزل أشهر الباقة مع ابتسامة قلبي، وأُشهد وجه القمر على ما يجري؛ حتى ضربتني ريح جذبت الخيمة، ثم دفعتها، وهزّت الأوتاد بالتوالي حتى اقتلعتها، وصرتُ الواقف في ظلمة بلا قمر، ولا زهر، وفيها لا أرى حتى أصبعي.
وأمسيتُ بلا قدرةٍ على الإتيان بفعل، وفقدتُ صوتي، وصرتُ هيكلًا من هلام، تلسعني سياط الريح، إلى أن قامت الخيمة كلّها في دفعة واحدة، وهبطت فوقي، فكانت كهفي المَبيد، وغطاء موتي المحتمل. ولبثتُ منبطحًا في سكات؛ لم أدرِ ما كان ولا ما قد يكون، حتى زأرت موجة ريح أعتى أخذتنا معًا، ثم أسقطتني لتدحرجني إلى حفرة حجزتني، والماء يملؤها ويغمرني.
وكنت أرتجف في الزمهرير، وأصيخ السمع، وبدأت أتسمّع نداءات أهل الخيام، وصياح الصغار الهائمين في الظلام. واستسلمتُ وقلت: فليكن ما يكون؛ فإن طلع النهار، حتمًا سيعثرون عليّ، إن كنتُ حيًّا أو جثةً همدت.

