أبديةٌ مَوارِبة
ماري العميري
انزلقوا من حافةِ الضوء،
حيثُ يتخثرُ النهارُ في جِرارِ العتمة،
وتركوا خلفهم سلالاً ممتلئةً بالخطوات.
تلك المسافات لم تكن مَجازاً؛
لقد حفرت أخاديدها عميقاً تحتَ جلودهم،
حتى استحالَ النبضُ إيقاعاً رتيباً لقطارٍ غابَ رُكّابه.
سفرٌ طويل... طويلٌ كأبديةٍ مَنسية،
أنهك حتى الظلال التي تجرّجرُ أطرافَها وراءهم.
هنا...
في المدى الذي أهملتهُ الخرائط،
تقفُ الجدرانُ عاريةً إلا من وحشتِها.
مَهجورةً، كصلاةٍ لم يجدْ أحدٌ وقتاً ليرفعَها،
تتآكلُ من الحواف،
وتشربُ صمتَ الذين عبروا دونَ أن يلتفتوا.
أما النوافذُ...
فليست مُغلقةً لتقطعَ الرجاء،
ولا مَفتوحةً لتدعو الريحَ للداخل.
إنها مواربة...
بينَ بين،
تُمسكُ بخيطٍ رفيعٍ من الانتظار،
كجفنٍ يَرفضُ النومَ خشيةَ أن يفوتَهُ الفجر،
أو كفمٍ كادَ أن ينطقَ باسمِ الغائبين...
ثمّ تراجعَ في اللحظةِ الأخيرة.
والآن، هناكَ خلفَ المدى الأخير،
حيثُ لا جهاتَ تشيرُ إلى أين،
تلاشت ملامحُهم في مَصبِّ الغياب.
لم يَصلوا، ولم يَعودوا،
بل ذابوا في بياضِ الحكاية،
تاركينَ خلفَهم بيتاً كاملاً
يَتنفسُ من شقً نافذة.

