-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

قراءة في قصيدة" فلذة الكبد " للشاعرة السورية فريزة محمد سلمان

 قراءة في قصيدة"  فلذة الكبد " 

 للشاعرة السورية فريزة محمد سلمان

ناقد الأستاذ ماجد القيسي  




تبدأ القصيدة بعتبة مألوفة وصادمة في آنٍ واحد وهي العنوان "فلذة الكبد"، وهو تعبير تراثي يختزل أقصى درجات الحب والارتباط العضوي والروحي بالابنة؛ فهو عنوان مباشر يلخص الفكرة المركزية، لكنه يحمل شحنة عاطفية استباقية تهيئ القارئ لولوج عالم الطفولة والبراءة، وتتأكد هذه الشحنة في القراءة الاستكشافية الجهرية للنص، حيث يتضح من اللحظة الأولى ذلك الأنين العذب ويسيطر على الأبيات جو نفسي جنائزي مغلّف بالحنين والفقد الصامت، فالموسيقى المتدفقة تخفي وراءها دمعة حارقة، ويندرج النص سياقياً ضمن المدرسة الوجدانية الرومانسية في الشعر السوري المعاصر، حيث يمتزج الانتماء لعمود الشعر العربي بالنزعة الذاتية التي تحوّل التجربة الإنسانية الخاصة (تجربة الأمومة والفقد) إلى مرآة كونية للمشاعر البشرية، مستعينة ببيئة بلاد الشام من خلال استدعاء عناصر الطبيعة الحية كالتفاح والعنب والرطب.

​ويكشف معجم القصيدة عن حقول دلالية واضحة وموزعة بدقة بين حقل الطفولة والبراءة (تغريد، الخطو، خجل، التفاح، العنب، ماما)، وحقل الفقد والألم (أدمع، غاب، ضاع، صدمه، هُزمت)، وحقل الطبيعة (البلابل، قمر، سمائي، الشهبا، واحة، الحطب، نخلاً، الرطبا)، وقد استخدمت الشاعرة لغةً وسيطة تمزج بين جزالة الألفاظ التراثية ورقتها (مثل "تحنّجلُ"، "أدنفت") وبين سلاسة لغة الحياة اليومية الحانية والمتمثلة في نداء "ماما"، مما منح النص عفوية محببة، وتضافرت في الصورة الشعرية الاستعارات والتشبيهات لتحويل العاطفة المجردة إلى لوحات ملموسة؛ فالابنة كـ "البلابل في تغريدها"، وبراءتها تتجسد حسياً حين يغتالها الخجل فنرى على وجهها "التفاح والعنبا" في تشبيه ذكي يربط الحمرة والنضارة بالثمار، وتصل ذروة التصوير السينمائي والتضحية المطلقة في صورتها التراجيدية حين تجعل الأم من جسدها "النار والحطبا" لتحترق وتوفر الدفء والراحة لفلذة كبدها. On صعيد الإيقاع والموسيقى، التزمت الشاعرة بالإيقاع الخارجي للقصيدة العمودية مستخدمة بحر البسيط بتفعيلاته الممتدة التي تتسع للشجن والوصف والبوح، وجاءت القافية مطلقة بروي "الباء" المتبوعة بالألف (طربا، خببا، وثبا...)، وهو روي انفجاري يعبر عن صرخة مكتومة تتفجر في نهاية كل بيت، وتناغم هذا مع الإيقاع الداخلي الذي برز عبر التكرار الصوتي وحروف المد، إضافة إلى الجناس والطباق الخفي (أزال الهم والتعبا / النار والحطبا)، مما أضفى جرسًا رثائيًا متهاديًا يناسب انكسار الروح.

​وتتمحور القضية المركزية للقصيدة حول صدمة الغياب واستحضار طيف الابنة الراحلة أو المسافرة عبر الذاكرة، ويتضح أن النص يتمتع بوحدة عضوية ونفسية متماسكة؛ إذ تبدأ الأبيات باستدعاء ملامح الطفلة وحركتها وصوتها، ثم تنتقل إلى لحظة المرض والضعف حيث يزورها الطيف، لتنتهي بالصدمة والواقع المرير والدعاء لها، وقد اعتمدت البنية الأسلوبية على التنقل المدروس بين الجمل الخبرية التي تفيد التقرير والاعتراف بالهزيمة أمام الشوق ("الصوت في خافقي"، "لما هُزمتُ")، وبين الجمل الإنشائية المحملة بالانفعال والتحسر كالتمني في البيت الأخير ("ليت الذي كون الدنيا يتوجها")، والنداء غير المجاب ("ناديتها")، وهذا التطور البنائي يعكس حركة الوعي لدى الأم من استرجاع الذكرى السعيدة، مروراً بوعي الفقد، وصولاً إلى التسليم والدعاء الإلهي.

​وفي التأويل والتقييم، يتجاوز النص المعنى السطحي لشكوى الفقد إلى رؤية فلسفية عميقة حول "الأمومة بوصفها وجوداً وتضحية ومصيراً"، فالشاعرة لا تبكي ابنتها فحسب، بل تعيد تعريف الذات الوالدية التي تفقد مبرر وجودها وهويتها بمرض الأبناء أو غيابهم؛ فالجسد يتحول إلى حطب ونار، والصبر يرسب، ولا يتبقى سوى الأمل المرجو المعلق بالسماء، وتكمن نقاط القوة في القصيدة في قدرة الشاعرة على تطويع بحر البسيط لخدمة دفقاتها الشعورية دون تكلّف، وفي براعة رسم صورة الخجل على وجنتَي الطفلة بالتفاح والعنب، ولعل المأخذ النقدي البسيط هو المباشرة الزائدة في بعض الأبيات ("من فلذة الكبد استخلصتها أملاً") التي قللت نسبيًا من كثافة الغموض الشعري، إلا أن هذا يغتفر بالنظر إلى صدق العاطفة الجياشة، لتترك القصيدة في نفس القارئ أثراً بالغاً بنجاحها في تحويل تجربة ذاتية خاصة بالمرأة والأم السورية إلى تجربة إنسانية عامة تلمس وجدان كل من تذوق طعم المحبة والخوف على من يحب، مذكرّةً إيانا بأن الكلمة الصادقة هي الملاذ الأخير لترميم القلوب المتصدعة.


فلذة الكبد

كما البلابل في تغريدها طرب

في مسمعي صوتها قد أدمع الهدبا


لها من القلب باحاتٌ معطرةٌ

تحنّجلُ الخطو أو تمشي بها خببا


أحب نظرة عينيها ويدهشني

ذاك البريق إذا راوغتها وثبا


بريئة القلب إن يغتالها خجلٌ

ترى على وجهها التفاح والعنبا


بحر البسيط الذي حمّلته شغفي

جادت قريحته بالوصف فانطربا


لملمتُ ذاكرةً يجتاحها قمرٌ

غطى سمائي وأخفى ضوئه الشهبا


قد زارني بعد حمّى أدنفت جسدي 

بهمسةٍ قد أزال  الهم والتعبا


ماما سمعت رنين الحرف من فمها

أتى ليوقظني من بعدها احتجبا


ناديتها  لاصدى  صوتٍ لأسمعه

كأنه  غاب مني ضاع أو هربا


الصوت في خافقي والأذن مرهفةٌ

والصبُّ مني اكتفى من كثر ماشربا


لولا الحنين رمى  قلبي فصدعه

لما هُزمْتُ وصبري فيه قد رسبا


روحي لها واحةٌ إذ تستجم بها

جعلت من جسدي النار والحطبا


من فلذة الكبد استخلصتها أملاً

فكانت الأمل المرجو والأربا


ليت الذي كون الدنيا يتوجها

نخلاً وينثر في أحضانها الرطبا



عن محرر المقال

aarb313@gmail.com

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية