لُغة أُمّي
بقلم أ.د. منصور
لُغَةُ أُمِّي:
قالَتْ لي أُمُّ الْعِيالِ: لَقَدْ وَصَلَتْ صَفائِحُ زَيْتِ الْمَوْسِمِ الَّتِي اشْتَرَيْتَها. هَيّا نَمْلَأْ إناءَ الزُّجاجِ
(مَرْطَبان) لِنَتَذَوَّقَ طَعْمَ زَيْتِ السَّنَةِ وَنَتَبارَكََ بِهِ. أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ أَوَّلَ الثِّمارِ يَزِيدُ في الْأَعْمارِ.
سَمْعًا وَطاعَةً. وَلَمّا كانَ مَصَبُّ الصَّفيحَةِ ضَيِّقًا كانَ عَلَيَّ أَنْ أَرْفَعَ الصَّفيحَةَ قَليلًا ليَنْصَبَّ الزَّيْتُ في الْإناء، فَصاحَتْ رَبَّةُ الْبَيْتِ:
اِسْخَ يا أَبا فُلانِ ، فَسَخَيْتُ حَتَّ امْتَلَأَ الْإناءُ.
وَكانَتْ وَجْبَةُ الْإفْطارِ خُبْزًا ساخِنًا وَزَيْتًا وجُبْنًا
وَتَمَتَّعْنا بِالْفَطُور.
كانَ الَّذِي مَنَعَ اِنْصِبابَ الزَّيْتِ خارِجَ الْإناءِ كَلِمَةُ “اِسْخَ”. هَذِهٍ الْكَلِمَةُ دارِجَةٌ في لَهْجَتِنا، وَهِيَ كَلِمَةٌ فَصِيحَةٌ، فِعْلُ أَمْرِ مِنَ الْفِعْلِ سَخِيَ يَسْخَى، والْأَمْرُ لِلْمُخاطَبِ اِسٍخَ، وَلِلْمُخاطَبَةِ اِسْخَيْ.
هُناكَ لُغَتانِ أُخْرَيانِ: سَخا يَسْخُو، وَسَخُوَ يَسْخُو.
أَتَيْتُ بِهَذا الْمِثالِ لِأُشيرَ إلَى أَنَّ الْعامِّيَّةَ فِيها الْكَثِيرُ الْكَثِيُرُ مِنَ الْكَلِماتِ الفَصيحَةِ أوِ الْمُحَرَّفَةِ، فَواجِبُنا تَفْصيحُ الْعامِّيَّةِ ما أَمْكَنَنا لِلتَّجْسِيرِ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ ، وَتَقْرِيبِهِما الْأُخْرَى.
لَيْسَ دِفاعًا عَنِ الْعامِيَّةِ الَّتِي هِيَ أَصْلٌ لِلْفُصْحَى، وَمَنْ يُنْكِرُ هَذا فَهُوَ لا يَعْرِفُ كَيْفَ نَشَأَتِ اللُّغاتُ. الْإنْسانُ أَوَّلًا تَكَلَّمَ عَلَى طَبيعَتِهِ بِصورَةِ اعْتِباطِيَّةٍ، وَلَمْ يَضَعْ أَحْكامًا وَقَوانِينَ لِكَلامِهِ لِلتَّعْبيرِ عَنْ حاجاتِهِ وَمُرادِه وَمَشاعِرِهِ وَرَغَباتِهِ في مُخاطَبَتِهِ مَعَ الْآخَرِ.
فَلَمّا اهْتَدَى الْإنْسانُ إلَى الْكِتابَةِ تَغَيَّرَ الْحالُ، وَجَدَ الْكُتّابُ أَنَّ لُغَةَ التَّخاطُبِ ضَيِّقَةٌ، لا يَسْتَطِيعُ الْمَرْءُ أَنْ يُعَبِّرَ عَمّا يَجولُ في نَفْسِهِ وَتَفْكِيرِهِ، فَاسْتَعاروا أَََلْفاظًا مِنْ مُُجْتَمَعاتٍ أُُخْرَى، واصْطَلَحَ الْقَوْمُ عَلَى أََلْفاظٍ حَسْبَ الْحاجَةِ.
هَذِهِ الْعَمَلِيَّةُ اسْتَغْرَقَتْ قُرُونًا عَدِيدَةً وَرُبَّما آلافُ السِّنِينَ. وَنَحْنُ لا نَعْرِفُ مَتَى كُتِبَتِ الْعَرَبِيَّةُ. لِأَنَّ أقْدَمَ كِتابَةٍ بِالْفُصْحَى عِنْدَنا لا تَتَعَدّى سَنَةَ ٣٢٨م عِنْدَما اُكْتُشِفَ نَقْشُ النَّمارَةِ عَلَى ضَريحِ امْرِئِ الْقَيْسِ أَحَدِ مُلوكِ الْغَساسِنَةِ.
أَخَذَتِ اللُّغَةُ الْفُصْحَى تَنْمُو وَتَزْدَهِرُ مَعَ الشِّعْرِ الْفَصِيحِ وَالشُّعَراءِ. وَإنِّي أَميلُ إلَى الرَّأْيِ القَائِل إنَّ الشُّعَراءَ وَالْخُطَباءَ وَالسُّفَراءَ الْعَرَبَ في الْجاهِلِيَّةِ كانَ مُعْظَمُهُمْ يَقْرَأُونَ وَيَكْتُبونَ. وَكانَتْ لِأَسْواقِ الْعَرِبِ وَمَوْسِمِ الْحَجِّ دَوْرٌ كَبيرٌ في صَقْلِ الْعَرَبِيَّةِ الْفُصْحَى وَاخْتِزالِها مِنَ الْعامِّيَّةِ، وَإثْرائِها بِالْفَيْضِ الْكَبيرِ الَّذِي دَخَلَ الْعَرَبِيَّةَ بِفِعْل احْتِكاكِ العَرَبِ بِغَيْرِهِمْ مٍنَ الشُّعُوبِ.
أَكْبَرُ انْتِصارٍ كانَ لِلْفُصْحَى عَلَى الْعامِّيََةِ هُو نُزولُ الْقُرْآنِ بِها. فَأَصْبَحَتْ لُغَةَ الْكِتابَةِ بِلا مُنافِسٍ. وَانْحَصَرَتِ الْعامِّّيَّةُ في إطارِ التَّخاطُبِ الْيَوْمي بَيْنَ الْعَرَبِ، وَتَعَدَّدَتْ لَهَجاتُها وَاخْتَلَفَتْ. وَبَقِيَتِ الْفُصْحَى لُغَةَ التَّفاهُمِ بَيْنَ الْعَرَبِ كُلِّهِمْ.
وَإذا كانَ الْوَضْعُ هَكَذا فَعَلَيْنا أَنْ نُحافِظَ عَلَى لُغَتِنا، وَنُثْرِيَها بما استَجَدَّ مِنَ الْأَلْفاظِ وَالْمْصْطَلَحاتِ، وَنُسَهِّلَ طُرُقَ تَدْرِيِسِها واللَّهُ وَلِيُّ التَّوْثِيقِ.

