نصفُ الكوبِ الفارغ..
قرَّرتُ أن أتوقَّفَ عن التَّذَمُّرِ، توجَّهتُ إلى طبيب العيون قبل موعدِ الزِّيارةِ الدَّورِيّ؛ لتغيير عدساتي، استقبلني بوُدٍّ.. بعد إجراء الفحص التَّقليديِّ أخبرني أن نسبة انهيارِ الرُّؤية 7 ٪ هذه المرَّة، نصحني برفقةِ النَّظَّارةِ إلّا من وقتِ النَّوم.
رجوتُهُ أن يصفَ لي عدساتٍ رقيقةً، شاكيًا تلك السَّميكةَ التي صنعتْ أخدودين أسفل جِفْنَيَّ، ورؤيةً مُشَوَّشَة. ابتسم صامتًا، ودوَّنْ في (الكارت) المقاساتٍ الجديدةَ..
الآن عليَّ أن أغيِّرَ زاويةَ رؤيتي، هأنذا أستيقظُ على صوتِ العصافير، أدرْتُ مؤشِّرَ المذياع على محطَّةِ الأغاني، كانت أغنيةً صباحيَّةً محفورةً على جدارِ طفولتي (يا صباح الخير يا اللي معانا.. يا اللي معااااانا.. الكروان غنّى وصحانا)
كلُّ شيءٍ يبدو مختلفًا من وراءِ الزُّجاجِ النَّحيف.
زوجتي تحملُ قطعةً من كيك الشُّكولاتة، وكوبَ الشَّاي بالياسمين.. أتناول الإفطار بلا تذمُّرٍ، طبعتُ قُبْلةً على جبينها، ولَّيْتُ قِبْلتي شَطْرَ الشَّارع.
بدا كأنَّهُ حلمٌ هادئٌ مصحوبٌ بسمفونيَّةٍ من ألحان العصافير، وحفيف الشَّجر، نساءُ الحارةِ مفرطاتٌ في الزِّينةِ يرتدين ثيابًا ذات ألوانٍ بهيجة، كلُّهنّ يرسُمْنَ ابتسامةً جاذبة، الرِّجالُ يصافحون بعضهم بحرارةِ الرَّفاهية، لا أكادُ أميِّزُ أحدهم عن الآخر، فالابتساماتُ متشابهةٌ للغاية، أحدهم يضغطُ على كَفِّي، يعصرُهُ بحميميَّةٍ، يربِّتُ على كتِفِي ثم يلوِّحُ بيديه، كجناحَيْ حمامةٍ بيضاء، ومن ثم ينصرف.
نسمةٌ رقيقةٌ من هواء الصِّيفِ تداعبُ أنفي، على مرمى نظَّارتي أطفالُ الجيرانِ يصنعون دائرةً واسعةً رسموا على محيطها علاماتٍ محسوبةً بالطِّباشير الجيريّ، أحدهم خارجَ الدَّائرة يطلقُ صافراتٍ متقطعةً، فيدورُ الصِّبيةُ في محيط الدَّائرة منصتين لصاحبِ الأمر، ينتظرون صدى الصَّمت؛ ليقذفوا أكثرهم بدانةً ملعونًا خارج الجنة إلى المصطبة المجاورة، ليتابعَ اللُّعبة من مقاعد المعزولين.
صوتُ بائعة الفاكهة يدندنُ “رمَّان خلاص انفرط حبك ولا همِّنى.. انت اتماديت في الغلط ولاقولتليش لمِّنى. ذنبك على جنبك بقا.. روح.. يا تجيني يا تضمِّني"
جرائدُ الصباح بعناوينها الخضراء العريضة " زلزال بقوة ٩ ريختر يدِّمرُ السَّد.. مصر أوَّلُ دولة تصل إلى كوكب الزّهرة عبر سفينة الفضاء خوفو٣.. رصدُ ميزانيَّةٍ ضخمةٍ للتَّعليم والبحثٍ العلميِّ تتجاوز 20٪، الاحتفالُ بتحقيقِ الاكتفاءِ الذَّاتيِّ في محصول القمح، وهامش كبير للتَّصدير.. شقَّةٌ لكلِّ حرفوشٍ بدون مقدَّم.. عالمان مصريان من معهد البحوث يفوزان بجائزة نوبل في الطَّاقة البديلة.. الجنيه المصري يعودُ إلى قيمته قبل خمسينيَّات القرن الفائت..
خروجُ آخر صهيونيّ من فلسطين.. الأسدُ يتنازلُ سلميًّا للحكومةِ المنتخبة..
ولأنَّني قرَّرتُ التوقُّفَ عن التَّذَمُّر،
شاركتُ الصِّبيةَ مباراةً في كرة القدم، كلّفوني بحراسةِ المرمى،
فريقي يمسكُ بزمامِ المباراة، هجومٌ لا يتوقَّفُ دونما هدف، الوقتُ يمرُّ، دقيقةٌ واحدةٌ يضيفُها القاضي قبل إعدام المباراة، اليأسُ يتسرَّبُ إلى رفقائي، لاعبٌ مراوغٌ من فريقي يخرجُ عن قواعدِ الميدان، يختطفُ الفريقُ الآخرُ الكرة، هجمةٌ مرتدَّةٌ خلف الخطوط، يتقدَّمُ أسرعهم يضربُ الكرة بعنف، يطلقُ الحكمُ صافرةَ النِّهاية.. ما زالتِ الكرةُ في طريقها للهدف، مستقيمةً تطيحُ بعدساتي الرِّقيقة، تتحطَّمُ شفافيةَ الزُّجاج، بعضها يملأُ أخدوديَّ،
أشتعلُ غيظًا، ألعنُ الكرةَ واللاعبينَ والقاضي والدُّستورَ والجمهور.
بعضُ الأنصار يحيطون بي، يكيلون اللّكمات، يزورون قفاي، أحدُهم يهديني (شلُّوتًا)
أُنكِّسُ رأسي، مرتدًا إلى بيتي، أعتمدُ إلى الحائط، أستريحُ قليلًا أمام كُشكِ الجرائد، أطالعُ عناوينَ الصُّحفِ المسائيَّةِ بالبنط الأسود العريض:
" أثيوبيا تبدأ الملءَ السَّادس.. مصرُ تنوِّعُ مصادرَ استيرادِ التوك توك.. إلغاءُ مجانيَّةِ التَّعليم.. روسيا ترفضُ تصدير القمح إلى مصر.. كومباوند لكل مواطن بمقدَّم مليون جنيه.. هروبُ عالمين من علماء الذَّرة إلى أمريكا.. الدولار يكسر حاجز الثلاثين جنيها.. إسرائيل تنقلُ عاصمتها إلى القدس باعترافِ الأمم المتحدة.. ٢ ٪ لا ينتخبون بشَّار.
نسوةُ الحارةِ يُخْرِجَنَ ألسنتهنّ، يبدأن الحفل على شرفِ إحدى الجارات التي سكبتْ في الشَّارع ماءَ المجاري غير المعالج..
أعودُ إلى بيتي بمعدةٍ فارغة.
بتجَهُّمٍ تُتَمْتِمُ زوجتي، تلعنُ أحلامي المبتورة، بتأفُّفٍ تُلقي إليَّ طبقًا من العدس (المُسَوَّس) وقليلًا من المخلِّل ونصفَ كوبٍ من ماءِ المجاري المُعَالج!
