قصة قصيرة
*عروس حذرة*
توقّفت أمام العمارة الشٌاهقة تلفّتت يمينا ثمٌ يسارا .لمحت سيٌارته رابضة بين السٌيّارات. حمدت الله أنّه موجود في شقّته الّتي مازالت تسدّد أقساطها لمُراب من معارف مشغّلتها. وضعت القفّة الثقيلة أرضا .كتفها يئنّ من كثرة الأثقال الّتي حملتها لمّا يعزمون على السفر .تنزل حقائبهم من الدور العلويّ . تضعها في صندوق السّيّارة. أمام المطار تنزلها لتضعها في عربة الحقائب، ثمٌ تنقلها واحدة واحدة أمام الماسح الضّوئيّ لتعيدها إلى عربة الحقائب ثمّ تنزلها لوضعها فوق الميزان كي تتلقّفها السّجّادة الدّوّارة.
تعود مع السّائق إلى الدّار بعد أن تودّعهم متمنًية لهم سفرة طيّبة لتبدأ رحلة التّرتيب والترصيف والتّنظيف .
تفكّر في أخذ بعض الرّاحة لكنّ سيّدة الدار أوصتها بغسل السٌيارات وتلميعها وتنظيف الشٌبابيك والمساحات المبلّطة حول" الفيلاّ".
يرنّ هاتفها تستبشر وتطفو على وجهها مسحة من فرح. لن تردّ ستفاجئه.ستثبت له بانّه سيظلّ كلّ شيء في حياتها.
أخوها الّذي ماتت أمّه وهي تلده ليلحق بها أبوه بعد سنتين او اقلّ. تركت المدرسة قبل إتمام المرحلة الإعدادية.
كانت تحمله برفق بين ذراعيها لترضعه جارتهم الطيبة مع ابنها حتى ألف الرضّاعة والحليب الاصطناعيّ.
لمّا دخل الجامعة صار يستقدم أصدقاءه وصديقاته إلى المنزل ليراجعوا معا . كان يطلب منها ألاّ تظهر أمامهم كي لا يشعروا بالحرج لكنّها تعلم أنّه يستحي من ثيابها الرّثّة وشعرها المجعّد الذي بدأ الشيب يغزوه وهي ما تزال في العقد الرٌابع بعد أن رفضت كل العرسان الّذين تقدّموا لخطبتها.
تعدّ له ولاصدقايه أطباق الطّعام والمشروبات وفناجين القهوة. تضعها على الطاولة في الصالون لتسرع بالاختباء في المطبخ أو في غرفة جانبية حالما يرنّ جرس الباب. ثمٌ تتسحّب لتقصد منزل مشغّلتها.
معه حقّ هو يبدو ابن أكابر بملابسه وأحذيته التي تبتاعها له من الماركات العالمية خاصة بعد أن وجدت وباجر نرتفع عملا ليليّا تهتم فيه بمسنّين مريضين.
يوم تخرّج طبيبا بيطريٌا كادت تجنّ من شدًة الفرح ويوم زواجه من صديقته في العمل بكّرت الى قبري والديها. حدثتهما بصوت تربكه الغصّة ودموعها تتقاطر واشهدتهما على أنها أوفت بالوعد.
_اليتيم كبر وتعلّم وتخرّج وتزوّج. ارقدا هانئين فقد أدًيت الواجب وبلّغت الرّسالة. ولن أتخلّى عنه بقيّة العمر .هو روحي وكلّ شيء في هذه الدنيا. ليتكما كنتما معنا. ...
تأخذ القفّة بيديها .هي تعلم أنّ أمّ زوجته ستاتيهما بالفطور يوم الصّباحيٌة لكنّها تعلم أيضا أنّه يحبّ طبيخها .ستضع بعضه على الطاولة ليأكل مع عروسه والبقيّة تضعها في الثّلاحة للأيام القادمة.
المصعد معطّل . ارتقت الدّرجات كلٌها وهي تلهج وعظامها تنبح وجعا. مسحت العرق المتصبّب على وجهها بكفّ يدها المشوّهة جرّاء استخدام موادّ التنظيف والمبيدات..
جذبت نفسا طويلا ثمّ ضغطت على الزّرّ .لكن لا أحد يفتح .شعرت بحركة تقترب من العين الكاشفة المركّزة أعلى الباب.. انحنت ترفع القفّة لكنّ الباب لا يفتح. لغو التلفاز يتسرّب إلى سمعها. لا أحد يفتح . احسّت بالجوع الشديد. تذكّرت أنّها لم تأكل شيئا منذ البارحة و أنها لم تبق لها شيئا من الطّعام الذي أعدّته لهما. نظرت إلى القفّة. لامت نفسها وقرّعتها .لن تاخذ منها شيئا .ستبقيها منظّمة مرتّبة.
الجرس يرنّ والتلفاز يلغو ولا أحد يفتح.
نبقت في ذهنها فكرة. التفتت إلى الشقة المقابلة وضغطت على الزّرّ .امرأة جميلة تسلم عليها مرحبة لقد رأتها وتعرفت عليها عندما ظلت أياما تنظف الشقة وترتب الاثاث وتزيّنها باللوحات والتحف والورود. سالتها بلطف والقفّة أمامها :
_ هل خرج العروسان؟
_لااظن .لقد رأيت والديها يدخلان منذ قليل.
نظرت إلى الطعام والقفّة الثقيلة ثمّ أضافت باستحياء :
_من فضلك هل اترك عندك القفة؟ سأهاتف أخي كي يستلمها منك.
جرّت الجارة القفٌة ثمّ طلبت منها رقم هاتفها لتبلّغها بوصول الأمانة إلى صاحبها .
أخوها لا يردّ وهي تسرع نحو منزل مشغّلتها الٌتي أقرضتها مبالغ ماليّة ساعدته على تأثيث شقّته على أن تسدّدها شغلا مدّة ثلاث سنوات، هكذا وعدت مشغّليها يوم أمضت على وصول الأمانة . ابتسمت ابتسامة الانتصار .اليوم أكملت المهمة كما وعدت والدها وهو يحتضر.
قبل أن تصل شقّتها رنّ الهاتف .أنها جارة أخيها :
_لقد رفض اخوك وعروسه تسلّم الأمانة.
يرتجّ فكرها. تتوقّف مداركها عن الفهم .تسألها:
_لماذا؟
زوجته قالت غاضبة إنّها لا تاكل الاّ طبيخ أمّها لانّها تخاف من السّحر ومن النّفّاثات في العقد.
حبيبة محرزي
تونس
