السياق اللفظي واستقرار المفردات، وأثر ذلك في إبراز العمل الأدبي، وفقا لمكونات القصة القصيرة جدا
قراءة نقدية
بقلم نجيب صالح طه
لنص الكاتب الأردني ( أسامة حواتمة).
( ديبلوبيا) _
ديبلوبيا... قصة قصيرة جدا.
والذي توج بالمركز الأول في إحدى المسابقات الأدبية...
#السياق اللفظي واستقرار المفردات، وأثر ذلك في إبراز العمل الأدبي، وفقا لمكونات القصة القصيرة جدا.
بقلم الناقد اليمني/ نجيب صالح طه ( أمير البؤساء).
أنموذج قصصي مكتمل،
وبرهنة على أن اللغة العربية، ومباحثها البلاغية حين يكون الكاتب متمكن منها،فإنها تنتج نصوصا ناضجة، تكون الأبعد عن جوانب القصور والضعف، وتعرف بالكاتب وقدارته بطريقة غير مباشرة....
ومنها هذا النص :
(ديبلوبيا
رأيتُه يرفرف فوقي بجناحيِّ غراب؛ اهتزَّتِ القوائم... بعد قراري بفتحِ النَّارِ عليه؛ تَشنّجت مخالبي ونزفَ جناحِيَ الأيمن. أ/ أسامة حواتمة الأردن).
القراءة .
مهما تعددت احتمالات القراءة والتأويل إلا أنه _ في اعتقادي الجازم_ لا ولن يخرج عن ثوابت القراءة الإجمالية لكل متذوق أدبي، أو ناقد موضوعي ،ومن أول قراءة...!
صحيح بعضهم قد يربكه ذلك التفنن الترميزي القوي،إيحاء ،وتكثيفا، ومفارقة،ومن ثم خاتمة،أو قفلة مدهشة، وبوقع مفاجئ يستنطق الرأي الجماعي لواقع ما نحن فيه، وقد تم قراءة تلك القصة من أوجه مختلفة، وكانت قراءات رائعة ومثرية وجميلة، غيرأني سأحاول قراءتها، من الجانب الدلالي المعنوي، وفقا لمكونات القصة القصيرة جدا.
في تقديري المتواضع.
أن وحدة الفكر، واللغة ،والبلاغة متوفرة في هذا النص، وأن اللفظة الواحدة فيه انتقيت بعناية،ومهارة فائقة ودقيقة،حال عرضها على علوم البلاغة وأخص هنا علم المعاني كأحد أهم علوم البلاغة الثلاثة فمثلا :
: لماذا لم يقل الكاتب : نزف جناحي الأيسر..؟
برزت مخالبي أو كشرت عن مخالبي
انفعلت بدلا عن تشجنت ...؟
لمَ لمْ يختر ( إزدواجية)،بدلا عن عنوان بلفظة غربية، قد لايفهما عوام الناس ؟
بل حتى من خواصهم قد نجد من لا يفهمها...!
القصة تحتمل عدة تأويلات،وتفسيرات،وشروح مختلفة حسب الذائقة الأدبية،والملكات النقدية، والتصورات ذات العلاقة بمستويات الفهم ،والمؤثرات الثقافية المكتسبة ،أو الفطرية وهذا مناخ صحي جميل ومقبول، وكلها بالطبع تخلق حالة من الثراء والإثراء الأدبي، المفيد والماتع، وكل رؤية لن تزيح الأخرى ،أو تلزمها بالقبول والتسليم، وبخاصة حال دراسة القصة القصيرة جدا، التي تختزل الكثير من المعاني والإضمارات المحتملة في عبارات قليلة..
ووجهة نظري أن النص " ديبلوبيا" نص اجتماعي فكري بطابع سياسي كبير ومشروع، يعكس حالة واقعية، ويتحدث بلسان الكل الجمعي الواقع تحت ظروفها، وبلغة ذكية، تراعي الظروف المحيطة بالقارئ أينما كان، وحين أقول أنني لمست سعة اطلاع وثقافة الكاتب اللغوية ،والبلاغية فإنني أصفه من خلال سطوره ولا أثني عليه.!
لماذا لم يستخدم مثلا لفظة
(ازدواجية)، أو أي كلمة بمعناها كعنوان ؟
في تقديري لأنها:
قد تكون فاضحة، ومنشأ جدل وخلافات،وفيها كثير من التحسس الفكري، أو السياسي ،أو العقدي أو قد يساء الفهم..
فالقصة _ قطعا _ تشرح واقعا اجتماعيا فكريا، وثقافيا، وسياسيا مؤلما !
ديبلوبيا.
حين قرأت العنوان، استنطقني وجدانيا، فكان كما توقعت، مناسب لمتن القصة،ولا يكون إلا هو!
لأنه يستوعب تناقض الرؤى، والأفكارفي الذات الواحدة ( المعبرة عن العقل الجمعي )، وبنفس مقصد المدرسة الطبية النفسية التي قصدته، ازدواجية التصور، وبحصرية على الرأي والفكر.
فمثلا :{ مليار،ومليون، وترليون) لا تكون إلا هي للدلالة على المعنى المراد الشائع عالميا،ولا يناسب ذلك التعريب هنا..!
رأيته..؟
أهي رؤيا بصرية،
أم فكرية،
أم منامية حلمية..؟
هي رؤية فكرية مخيبة للظن، صحوا أو حلما حال يقظة التفكير.!
يرفرف فوقي بجناحي غراب..
هذه الكناية عن صفة : الظلم والدمار والخراب،والجهل والموت والتضليل وكل ما يقطع التفاؤل، وفقا لمعطيات الدلالة الغرابية الممسوخة هنا...
إذ لم يكن غرابا مكتملا..!
بل بجناحي غراب، وبقية الجسد للذات الظالمة المستبدة كما هو، وقد لا يراه الوعي بشكل مطلق كما رأته شخصية القصة ..
مكاشفة للذات،واعتراف بخطأ التصور الفكري المسبق، فحين وصل به وبغيره من أمثاله، حلق باعتلاء، وفوقية غرابية التحليق والعلو.!
وتلك حقيقة....
سرعان ما يخدعنا تصورنا الفكري، ونتوسم الخير في الكثير، ثم نفاجئ بأنهم ليسوا كما كنا نظن ونعتقد..!
وفي دلالة:
( يرفرف )وليس (يطير، أو يحلق)، تمكن واستقرار للظلم بكل صوره وببرود تام ،بعد أن وصل عن طريق الرائي....
اهتزت القوائم..
حسن اختيار هنا للمفردات، من بين جميع المترادفات أو الأضداد..
اهتزت...
الاهتزاز التحرك المستقر المكاني المفاجئ، الذي لا يصاحبه إلا الخوف، والتردد، وهذا مالا نجده، في : "تحركت، ارتعشت، اضطربت....إلخ"
والخوف يصاحبه اهتزاز الأطراف مع الاحتفاظ ببقية الحواس..
يتجلى عنصر التكثيف بشكل كبير مع كل عبارة..
قفوا معي على ذلك الاحتراس المنهجي البلاغي في قوله :( القوائم) .
لم يقل: اهتزت قوائمي...!
كما قال متحدثا عن نفسه : ."..فوقي.."!
ولم يقل: "اهتزت أقدامي،أو قدماي ! بل قال : اهتزت القوائم، وهو وإن كان جمعا،ويجوز أن يطلق على مثنى القدمين، إلا أن جمعه يعني كل الروافع السياسية والفكرية والثقافية...التي تحامل عليها،أو ظن فيها خيرا،بالعون والمساندة، لكنها خذلته...
ثم تحول لحالة انفعال تشنجي، وحشي سببه القهر ،والشعور بالوحدة والخذلان، و هنا المفارقة،حد أن غضبه قد صيره،كائنا مفترسا بدليل (مخالب)، لكنه لا يقوى على تحقيق رغبته أيا كانت..!
يتضح أن الكاتب يدرك جيدا ما يفعل،حيث والوحدة الموضوعية للنص منذ العنوان مترابطة،ومنسجمة جدا في كل الحالات الانفعالية والنفسية والوجدانية. ..
"وبعد قراري بفتح النار عليه.."
مؤكد تشعرون معي بالقدرة الرهيبة على تصوير التلكؤ ،والتباطؤفي اتخاذ القرار في وقته وحينه..
وتظهر البراعة اللغوية في قوله:
"بفتح النار عليه..."
وليس بإطلاق النار، أي:
وفتح النار عليه لفظ جامع،
معارضته، تعريته ، فضحه، وتحمل معنى المباشرة أيضا في نفس الوقت حال التمكن...
وهذا من روائع التكثيف وشمول المعنى وعمقه، لأن الكثافة في جزئيات السرد ليس من خصائص القصة القصيرة جدا، بل هو الاستغراق والشمول للمعاني الكثيرة في عبارات موجزه.
"ونزف جناحي الأيمن"
بسرعة ودون تراخ زمني، يتصاعد المشهد، بقفلة مفاجئة تنضح بالمفارقة أيضا..!
فبين عبارة :نزف جناحي الأيمن، وعبارة : وبعد قراري بفتح النار عليه.."
مفارقة زمنية قلما نجدها في كثير مما نقرأ...
وفي الظاهر أنه طير أيضا وبمخالب...
ويقودنا لافتراضية الصقر مثلا ( الحق ) الأحلام، المستقبل، الحرية،... وسيبقى الأقوى وإن جرح أو نزف...
فالنزف هنا لا يقطع بانتهائه وإن أثخنته الجراح..
ولا يحتمل أن يكون نسرا، فذلك سيضعف المدلول العام للقصة، ويناقضها...
إذن :
هو صقر!
ازدوجت رؤاه وأفكاره، فقص، أو أصيب ،أو اغتيل ومن جانب جناحه الأيمن.!
(جناحي غراب، جناحي الأيمن).
لو لم يكن ل( جناحي) الثانية معنى آخر، لعدت تكرارا، وربما نقم على لجنة التحكيم، كيف يعطى هذا النص المركز الأول وفيه تكرار لفظي ومعنوي؟
الأمر ليس كذلك..!
" جناحي" الثانية لها معنى آخر،وبرمزية قوية جدا،قد تعني
التيار المتعدل الوسطي، أو العضد والسند، بينما بقي اليسار وأجنحة الغراب...!
فكانت قفلة مدهشة وبمفارقة أكثر من رائعة.
و سأستدل بذلك الوصف : ( الأيمن)، على من ينكر الوصف، والصفة في القصة القصيرة جدا...
فالصفة إن كانت محكمة كتلك فلن يدل على الترميز والإيحاء غيرها...!
قص ناضج
ومكتمل.
وبإيحاءات وتكثيفات وترميزات مازالت جديرة، بالتأمل والدراسة.
تحياتي لكاتب النص وأمنياتي الصادقة له بمزيد من الألق والتميز والنجاح.
د./ نجيب صالح طه ( أمير البؤساء ) _ اليمن.

