سعدي يوسف في مجموعته ( طيران الحدأة ) :
كتابة شعرية تشير اليه فقط
دائم الحضور والاختلاف في المشهد الثقافي العربي ، دائم الحنين للعراق وإرهاصات القصيدة الاولى التي نزفها في البصرة ، يعود الينا الشاعر العربي الكبير سعدي يوسف ، في مسيرة ابداعية راسخة ومتجددة بمجموعة شعرية موسومة بـ " طيرانُ الحدأة " ، صادرة عن دار راية للنشر في حيفا 2012 ، وهي مؤسسة " مخصصة لنشر أبرز العناوين الأدبية لكوكبة مختارة من أهمّ المبدعين العرب " ، في السرد والشعر خصوصاً ، وفي مختلف فنون الكتابة الأخرى.
وكما يقول د. عبد السلام فزازي في كتابه ( دراسات نقدية في شعر سعدي يوسف ) : " إن مسار سعدي يوسف الشعري جعله بشكل من الأشكال يجدد عالمه الشعري ، ومن ثم أصبح يؤمن بصفة تكاد تكون قطعية أن عليه تغيير أدواته ومكوناته الفنية في خضم النظام المعرفي المتداول : وهذا ما حدا به إلى إعادة قراءة الموروث الثقافي العربي أولاً ، والموروث الثقافي الإنساني ثانياً ، ساعياً في كل هذا إلى البحث والتنقيب عن العناصر الحداثية الكامنة في هذا التراث الإنساني بالذات " حيث ركز الشاعر همّه هذا في جنس الشعر وما يحفل به من خصوصيات لغوية استثنائية تتجاوز باقي الأجناس الأدبية التي لا يلغيها سعدي باعتباره عاشقاً وملهماً لباقي الأجناس الأدبية ، والحال أن عالمه التعبيري المستعصي ، وكذا خباياه الأيديولوجية ، وأعماله الإبداعية تستلهمه بشكل كبير ، وهي بالطبع لم تخرج عنده عن هذه المنجزات التي يستبطنها أصلا من مستوى الالتصاق بالواقع.
شاعر له بصماته وله تجربته الكبيرة ، مؤمناً في ذات الوقت أن الشعر باستطاعته تفجير مسافة الحدود بين الواقع والخيال ، ساعياً في كل هذا إلى ضبط آليات الواقعي وجعله مطواعاً قدر المستطاع ، حيث يسهل عليه تفكيك ألغازه التي غالباً ما تبدو مستحيلة التفتيت ، على اعتبار أن هذا الواقعي يعتبر منبعاً ومنهلاً للمبادئ والقيم ، وبالتالي حصيلة الرؤى المتمثلة فيه ، ولا يمكن النظر إليه باعتباره الثابت ما دام في نظر سعدي يوسف هو " المتحول والمتنوع " بامتياز.
في " طيرانُ الحدأة " يواصل سعدي يوسف مشروعه الشعريّ الفذّ الممتدّ على ما يزيد عن نصف قرن ، كان خلالها وما زال أحد أهم وأنقى الأصوات والتجارب الشعرية في الحداثة الشعرية العربية ، بنبرة خافتة ومتأملة ، محتفيةً باليومي والمهمّش وغير الملتفت إليه ، بالزائل العابر الذي يستضيفه الشاعر العراقي الكبير بألفة وحرفة في منفاه المتواصل منذ عدة عقود.
" طيران الحدأة " نصوص شعرية مفعمة بالصدق ونبرة الاحساس العالية بالغربة ووجع المنفى ، كتبها سعدي يوسف في مغتربه وفيها خاتمة الحزن لحال الكثيرين ممن هاجروا من شباب العرب إلى بلاد الضباب.
أقام شاعرنا علاقة شعرية رائعة مع الطبيعة ، وكتب عن المكان والنساء والمدن والغربة وقضية الوجود الإنساني بمعناه الفلسفي والعاطفي واليومي ، شاعر له صوته الخاص وتجربته المتفردة ، يقف بالأساس على تجربة شعرية حملت ملاحمها القوية والمستقبلية منذ البداية ، ظل يحملها ويسير بها بهدوء نادر ومتميز حتى حقق هذا الإنجاز والبناء الشعري الباهر والكبير والمستمر إلى لحظة الكتابة القادمة ، في شكله ومضمونه وتصميمه وتفاصيله وتحولاته المدهشة ، حيث يأخذنا الشاعر سعدي يوسف الى تجربة متفردة ومكرّسة ، قادرة على اختزال الكثير من الأسئلة التي ما انفك يطرحها " قراء سعدي يوسف على الشاعر وعلى أنفسهم " كما يقول الشاعر اللبناني شوقي بزيع ، فالقارئ يشعر وهو يتفحص قصائد المجموعة أن الأماكن والحالات والموضوعات التي تتصدى لها المجموعة ليست جديدة عليه بل سبق له أن تعرف إلى أشباهها ونظائرها في مجموعات كثيرة سابقة خلال العقود الخمسة السابقة والتي تميز ، أكثر بها في العقدين الأخيرين ، ومع ذلك فإن الأمر، بالنسبة لي على الأقل ، لم يكن سلبياً بأي وجه ولم يكن استمتاعي بقراءة العمل الجديد أقل منه في أي عمل سابق ، ذلك أن ما يحمي الشاعر من تكرار نفسه واستنفاد تجربته هو تلك القدرة الفائقة على الالتحام بمواضيعه وعوالمه المشهدية والنفسية بحيث تحافظ قصيدته دائماً على صدقها وشفافيتها وآليتها الداخلية وقدرتها على الإقناع ، ولولا " ذلك الالتحام لبدت القصيدة مفتعلة ومتعسفة وباردة الملامح ، في حين أن قدراً وافراً من النضارة المائية والانسياب التلقائي ما زال يحكم هذه التجربة ويمنعها م التخثر" .
ان شاعراً كبيراً ، ذو ملكة شعرية ومن طراز رفيع كسعدي يوسف لم يشأ مع ذلك أنْ يُعنى في صقل تعبيره وتجويد أدائه كلَّ العناية بحيث يغار على شعره من أن تتوشَّحه النثرية ويتسربل بها ، إنَّ هذه النثرية ليسَتْ بحال دليل عاطفة زائفة وحس ٍ مفتعل حالا دون أنْ تتأتى له الألفاظ بكلِّ حدَّتها وإرهافها وحرارتها وتطاوعه ، حيث يقدم الشاعر " معماراً لحياة موازية لحياته التي تناهبتها الأمكنة والمنافي ، لكنه ظل وفياً للشعر والترحال والأحلام على طريق الحرية العظمى ، حيث يقول في قصيدته " العراق آتٍ " :
" سوف يأتي العراق الجميل
سوف يأتي العراق
بعد أن يرحل الأمريكيّ
والخادم الفارسيّ المعمّم
هذا العراق الجميل
قادمٌ في الهواء الذي نتنفّس
في الشاي عند أعالي الفرات
وفي العرق المرّ في جبهة النهر
هذا العراق الجميل
قادمٌ في عباءة أمّي التي رحلت وأنا جاهلٌ أنها رحلت
( كنت أذرع زنقات باريس )
هذا العراق العجيب
سوف يأتي بنا من منابذنا في الديار التي لم نحبّ
الديار التي لم تحبّ ملامحنا
... " ( ص 22 )
انها قصيدة تحمل روح الشاعر وعذابات منفاه البعيدة ، عن وطنه الأم العراق ، طارحاً أسئلته الحزينة والجارحة في ذات الوقت ، يتجلى فيها صوت الشاعر الرافض لما يجري على الأرض العراقية ، والمسكون بالحلم ، حيث ينهي قصيدته بصورة واضحة من التحدي والإصرار :
" أيّهذا العراق
لم يعد في الطبيعة متّسعٌ للفراق
أيّهذا العراق .." ( ص 23 )
يستطيع الشاعر أن يقول أي شيء طالما أنّ الشعر هو ترجمة اللحظة أو الفكرة ، انها إشارةٌ تفتح الباب لحضور استعاراتٍ مباشرة ، ومواقف إيديولوجية عالية النبرة.
المباشرة والايدولوجيا لم تغيبا عن تجربة سعدي يوسف ، ولكنهما تعززّتا أكثر مع احتلال العراق ، وتقسيمه طائفياً وعرقياً ، ولعلها من المرات النادرة التي يمتزج فيها الموقف الأخلاقي مع الموقف الشعري بهذه الكثافة في مجموعة واحدة.
هناك أسئلة عن وحدة الشاعر، عن الآلام غير المعلنة لهذه الوحدة ، وعن التنقل في المنافي حيث يعيش حالة الاغتراب الفجائعية التي تدمي قلبه وأحلامه .
ولا شك أن المقاربة النقدية " البنيوية " التي تفرض في النص عدة نصوص وإيقاعات وعلاقات خفية على مستوى المفردة والحرف ، والتي تفترض أن النص مجرد اقتراح قابل لـ " النقض والانقلاب " وأنه منفصل عن كاتبه ، قد لا تصلح أبداً لفهم القصيدة التي تحاول أن تعبر عن العالم وأن توضح موقفها منه ، كما يقول شاعرنا :
" أنا أبحث عن بيتٍ
منذ سنين ٍ وانا أبحث عن بيتٍ
كم بلدان طوّفت وأنا أبحث عن بيت ٍ !
**
أنا في طنجة أبحث عن بيت ٍ
منذ سنينٍ وأنا في طنجة أبحث عن بيتٍ
لكني سأعود ( كما كنت ) بلا بيتٍ
اللابيت هو البيت اذاً ! " ( ص 50 )
يسهل عليك في هذه المجموعة لهذا الشاعر ان تستحضر النص الغائب الذي يتعامل معه الشاعر بمكر ومهارة ، كما يرى الشاعر أحمد دحبور الذي سبق وان تناول المجموعة بالدراسة والنقد ، فقد يضع عنوانا من نوع "خواطر 8 شــباط " التأريخ ليس بريئا ونحن نعلم ان هذا عند ســعدي يوســف ، فهو تاريخ مجيء السلطة السياسية السابقة الى العراق ، وهي سلطة لم يقاطعها سعدي لكنه لم يكن صديقا لها في اي يوم ، وفي مستوى آخر يستحضر النص الغائب من قلب التراث ، فيعيد انتاج قولة المتنبي الشهيرة: " ما مقامي بأرض نخلة إلا كمقام المسيح بيــن اليهود " ، ولكن الشــاعر - للمفارقة الســاخرة - يســتبدل ارض نخلــة التي وردت لدى المتنبي بريف لندن ، فيصبح البيت على النحو التالي :
" ما مقامي بريف لندن إلاّ كمقام المسيح بين اليهود " ( ص 59
بالتأكيد الشــعر الاســتثنائي ، الذي ينتهجه سعدي يوسف معانقاً فيه تجاربــه الواقعية حتى ليخشــى القارئ من مباشرة او تقريرية في سرد واقع الحال ، لكنه بمكره الفني وحذقــه الخــاص ، " يعــرف كيف ينتشــل الصورة من ســطح المشهد ليتوغل بها فــي الاعماق والسرائر ، فهــذا الذي مر بتجربة متطرفة من الواقعية في الشعر ، كثيرا ما يباغت المتلقي بفكرة أو صورة أو لحظــة غير متوقعة ، وهل الشــعر إلا هجمة حــدس تســبق الوعي المباشــر وتستجلي مسافات بعيدة يعرف الشاعر وحده كيف يصل اليها ؟ " ، على ان هذا الكلام النظري يتقاصر عن مجــاراة شــاعر يوغل فــي الوضوح الى درجة الغموض.
هو ذا ينقل الينا انه " أفقر الفقراء " :
" لا تقل لي انني امسيت كالشعراء !
اني أفقر الفقراء
كم حاولت ، حتى هذه الســبعين ، شــيئا تافهاً
وفشلت :
تلك الخيمة ! " ( ص 61 )
هكــذا اذن لا يكون الفقر موقعا في التراتب الاجتماعي ، بل هو حنيــن غامض الى ما ســيبقى فقيــرا ما لم يحــط به ، لقد ورث اللغــة الواقعية ليمنحها ظلالا فوق واقعيــة ، وإذا كان المتصوفــة يتباهون بفقرهم الى الله ، فإن " صياد الحدأة " هذا ، ليرجو نوعا مختلفا من الوصول ، والغنى ، ومعانقة المطلق :
" والآن في السبعين
يبدو المشهد الأبديّ أوضح
لن يرى فان كوخ أرحم من طبيب ٍ للمجانين " ( ص 60 )
يختم مجموعته بملحق عنونه " في ليل بروكسل أشقياء مغاربة سلبوني العراق الذهب " ، وملخص هذا الملحق أنه كان ، سعدي وصديقته عائدين من مركز ثقافي فإذا بأشقياء مغاربة ينتزعون من عنقه سلسالاً ذهبياً وفيه خارطة للعراق ويخلص إلى القول :
" أعتقد أن الأشقياء المغاربة فعلوا ما كان على أنا أن أفعله :
" الخلاص من فكرة العراق الذهب
العراق لم يعد قائماً
ولن يعود
في منزلي بحثت عما أطوق به عنقي " ( ص 87 )
هذه هي تجربة سعدي يوسف ، التجربة الكبيرة والمكرسة ، حيث امتاز هذا الشاعر بمقدرةٍ خاصة على استخدام وتوظيف الرمز والتراث العربي ، وأيضا الثقافة العالمية محاكياً للتطورات على المستويين العربي والعالمي ، وبهذا يكون شاعراً لديه القدرة والخبرة في التعبير عن موقفه الانساني المطلق من أسس أيديولوجية تعتمد الاممية معياراً لها في علاقاتها مع " الآخر " بشكل صادق ، ولهذا فقد امتازت قصائده بالرمز والأسطورة ، سواء البابلية أو الاغريقية او الهندية والعربية ، وكذلك استفاد بشكل ملموس من هذا التراث الأممي والإنساني الكبير الحاضر في قصائده .
إن البحث عن لغة جديدة كما يحاول الشاعر في " طيران الحدأة " ، قاده إلى الابتعاد ، أولا ، عن لغة الرومانسيين الرخوة وقاده ، ثانيا ، إلى شحن الكلمات بطاقة جديدة تتخطى الجاهز والمعلب ، وهو ما أوصله إلى تأسيس موسيقى داخلية للشعر ، حيث أصبح الإيقاع الخارجي من وزن وقافية ، جزءاً عضوياً ، ولكنه مكمل للعلاقة الداخلية : شبكة المداليل التي تتألف داخل المبنى الشعري.
لقد منح كل هذا التميز وهذا التنوع الفكري وهذا الاطلاع الواسع للشاعر نكهة خاصة للقصيدة التي يكتبها ، ربما لا حاضرا بمثل هذا الزخم عند غيره من الشعراء العرب ، حيث يتجلى هذا التنوع في اطار التجربة وفي عناصر القصيدة ابتداء من الايقاع حتى المعاني العميقة والإيحاءات التي تحملها نصوص قصائد سعدي يوسف .
إن الأساسي في نصوص سعدي يوسف ، ليس " الإنشاءات اللغوية " التي تتلبس إهاب الشعرية ، بل الجدل الداخلي ، الحركة ، وهذا التموج الذي يعطي من خلال التلاحق الصوري " الصور الشعرية " والذي يفجر إيقاعات متتابعة فيهبها في الأخير ، معناها الاحتمالي بوصفها ( أي النصوص ) أشكالاً تتحول وهي تتلولب حيناً ، وتتدرج حول الفكرة / الصورة : المحور ، فالإيقاع المشكل من تضام العلاقات اللغوية وتشابكها ، يتبع مبدئيا حركة القصيدة ، تناميها ليوصلها إلى الذروة التي تبقى أبدا منفتحة على إضافات لاحقة ينجزها الشاعر عبر مسار كتاباته الشعرية ، أو ينجزها القارئ بما هو طرف فاعل في العملية الإبداعية وليس بما هو منفعل بها.
هكذا اذن يواصل الشاعر أسلوبه الخاص في المزج بين النثر والتفعيلة ، ليشعر القارئ وكأنه أمام إيقاعات شعرية تأتي من عالم يخص صاحبه ، فالأمكنة والذاكرة والعابرون يجعلون من قصيدة يوسف علامة فارقة في الشعر العربي الحديث ، لتكون وتبقى تجربة متفردة ، سلسلة ، تقدم نفسها بنفسها وتدل على صاحبها من خلال قراءة أي نص من نصوصه .

