قراءة نقدية في نص " من ذا؟ "
للشاعرة مرشدة جاويش
بقلم / أ . عبدالله شبلي - المغرب
حين يغدو الوجع ترياق قريض لطمر الليل واستعادة اشراقات الروح
*
#من_ذا؟
من ذا يعلمُني احتلالَ أصابعي
نغماً شريداً
لأكون فيك رعشةً ثملت على زبدِ القصيدة
ماذا تآكل من دمِ الأشواقِ
نرجسةٌ وساريةٌ لليل قد تثاقلَ..
لبست شهامتُه قميصَ تلهفي
ظلاً وأغرقَه السواد
شُهباً على رئةِ المجرّة
ترتدي سحبَ الحداد..
وأنا ضميرُ الغائبِ المنسيِّ
في أنواءِ بُعدِك..
أشعل الأحلام من حُمّى السهر
فيضوعُ من وردِ البراكين التي احتلت ضياعي
عطرُ أغنيةٍ يرددُها الصدى
فإليك أرتكبُ الخيال
وأقتفي الكلماتِ في لُججِ المدى
والليل ينصبُ للدموعِ فخاخَهُ عبثاً..
شفاعاتي ..
رنينُ توحدي
في شمعةٍ ثكلى على درج الوداع..
والكأسُ تشربُ ظلَّها
صهباءُ تحتجزُ الحضور..
فتهزُّ نرجسةَ الضياع
ويبابَ طَلِّ الهزجِ.. نوحُ يمامةٍ
ذابتْ بوقع حنينها لغةُ الكلام..
تهتز موسيقا النعاسِ
الفاخرِ الأنواء
فاحتلت متاهاتي رتابةُ عابثٍ
يتهجدُ الأشواقَ..
نَغَمُ الهشاشةِ ينحني قوساً
تمرّغَ فوقَ أوتارِ السراب..
ذابتْ رتابتُه التي حفرتْ
أنينَ الخطوة الأولى
على شَفةِ الرباب..
حتى تعرَّتْ عُروة الأزرارِ
وانفتحتْ نداءاتُ الغياب..
هل عانقني الرخُّ
حين تطايرتْ سُحبي
رذاذاً فوق شطآنِ العتاب..
الريحُ ترقبُ ظلّها
يحتلّني وجعي
ومن إلاك يبتكرُ الإيابْ..
.........
مرشدة جاويش
حين تتلقى أصابعها احتلال نغم شريد هارب ، فهي تخط رعشة خاصة بها وفريدة في الآن ذاته ، ذلك لأنها لا تعاقر الثمالة إلا وهي تعب تباعا زبد القصيد صفيا نقيا خالصا ، وهذا السكر وحده الكفيل بتنحية سواد قاتم ، تجزية لتثاقله ولتلهف لا يتربص بالشاعرة إلا ليلا ، هو الليل نفسه الذي يغرق ويحرق .
فما المرأة إلا ضمير غائب تجسد في عزلته البغيضة ليلا وسحب حداد ، منفصلا عن قرين توأم قد يرقى بتشكل غيبة مفروضة مرفوضة إلى ضمير جمع متكلم ، ساعتها يجمع بين الغيبة والحضور ، ليستوي القريض غزل إمتاع ائتلافا مرجوا لا اختلافا مرفوضا .
وهاهي أوراد الضياع تتابعت لتؤسس وجعا قمينا باشعال أحلام مفقودة براكين متجددة وسمها الضياع ، غير أن أنواء البعد و هذيان الحمى وبراكين الألم رغم التكالب واشباعها بليل الحلكة والسهر والأنين المحاذي للبعاد ، لن تسيطر ، ولن تحتل الكيان أبدا ، ولن تهيمن على ذات شاعرة خبرت كل ذلك ، لتخبزه من جديد ، وفي جديد لافت لافح لافع ، بعطر اغنية لا تنتهي بكتابة الشعر ، أبدا ، ولا ببوح معتمل ، ولكنها حروف تتابع لتتشكل وتنتقل عبر المدى والأصداء ، وهكذا يعطي تناسل الوجع ترياقا للنفس ، فينتج تاء تمر وثاء ثمر ، تمر حلاوة وثمر نضج ، فما الحلاوة إلا نبع من ليل طويل ، وما النضج إلا خروج من كمد مرير.
فما الشعر ؟ وما غايته عند مرشدة جاويش إن لم يفض إلى اغنيات معطرة ، وخيال يركب ، وهي تقتفي الكلمات تصيدا وتطيبا في لجج مدى مفتوح على امتداد مساحات القريض التي لا تنتهي.
ولئن كان الليل متربصا ينصب فخاخ الحزن للمدامع ، فشمعة فرادة وإن ثكلت ، كفيلة بصنع الضياء ،ضياء لم يحله إلا رنين توحد يغذو شفاعات مرشدية.
هشاشة نغم تنحني مجبرة فوق أوتار سراب لتنحر رتابته أنين خطوة أولى ، لم تأت على شفة رباب ، وإن تعرت عرى الأزرار ، وهتفت نداءات غياب مشتهاة ، فكيف يتاح عبر هذا الوله المطرز بأنين البعد والهجر ، أن يستنهض الرخ من رماد ؟
ان العتاب الزاحف والوجع الجاثم والريح المراقب ثالوث كفيل بتطاير السحب وابعادها حتى لا تمطر هنا حيث ذات الشاعرة ، غير أن ذلك لا يمنعها قطعا من أن تمطر هناك حيث روح الشاعرة التي يجسدها شعر مستو ناضج لا يصدر إلا عبر مران الألم ، عبر تكديس الوجع ، ثم ترصيفه ليغدو حرفا قمينا بالتسيد ، لكي يغدو حضور الغائب - المفتقد مرقاتها الوحيدة لابتكار الإياب ، إياب لا شبيه له ولا نظير ، لأنه إياب مفتوح على نقط الحذف التي تعشق التناسل والاستمرار.

