لن أفتتح رسالتي بالتحية كدأبي في رسائلي ، لقد مللت السياق السابق، أكتب إليك على أمل أن تستلم رسالتي ذات يوم، كما أملت في كل يوم أن يصلني ردا على رسائلي السابقة، قالوا لي أن أيامي معدودة، ربما سأغدو جثة بعد ساعات قليلة، أنياب المرض تقترب مني كأفعى أناكوندا ولا أعلم متى ستبتلعني؟
وأنا هنا على فراش المرض فتحت بوابة الذكريات بحلوها ومرها، بحتُ لك ذات يوم عن خوفي من القدر والظروف، قلت لي لا حيلة لنا مع القدر أما الظروف سنتغلب عليها بحبنا وإصرارنا، ويبدو أن هذين الاثنين قد شكلا درعا صلبا أمامنا! وكأن السعادة لم تخلق لنا وكأن الفرح غير مأذون له بالدخول لقلبينا!
من الموجع أننا تعاهدنا على البقاء سوية لآخر رمق في الحياة ومن المؤسف أنني احترمت هذه المواثيق لهذه اللحظة، فتبا لذلك القلب الذي وفى لك حتى في آخر دقائق له في هذه الحياة.
حلمت معك بأشياء كثيرة
كنت أود العيش معك لآخر العمر، نحيا مرحلة الشيخوخة معا، نعد زفاف أبنائنا معا ونستقبل أحفادنا كل يوم جمعة حيث نجلس في حديقة البيت الكبيرة التي خططنا شكلها وما تحويه من أشجار وورود.
كم تمنيت البقاء بقربك وكم ندمت على الأيام التي كنا نفترق فيها إثر كل شجار بسيط بيننا، ثم يعاود الشوق جمعنا..
آه لو تعرف كم أحببتك، وكم حاولت التوغل في حياتك، وبذلت جهدا كبيرا في الاحتفاظ بما كان بيننا من ذكريات منذ طفولتنا حتى فراقنا!
أتعلم أن تلك الذكريات هي ما كانت تصبرني وتواسيني وأنا أتجرع سم الدواء! أتعلم أنني قد استغليت مرضي لأبكيك شوقا لك دون أن أُثير تساؤلات من حولي عن سبب البكاء!
طوال السنين الثلاثة الأخيرة، حاولت فيها ألا أنسى أي تفصيل كان بيننا وكأنني كنت أشعر بأن بقائي في هذا العالم محدود جدا وكأنني على علم مسبق بقصر رحلتي في هذه الحياة
تراودني الكثير من التساؤلات، هل ما زلتُ في داخل قلبك؟!
وإن كنت كذلك فما هي المدة التي ستنساني فيها وتقذفني خارجا؟!
ما زالت لدي الرغبة في معرفة شكل التي قد سرقتك مني والتي منحتك الأبناء الذين عجزت عن منحهم لك بسبب الخبيث الذي وأد حلم الأمومة للأبد!
أتعلم لا أخاف الموت بقدر ما أخاف فقدانك، وبالرغم من فراقنا منذ ثلاث سنين وشهرين وخمسة أيام وأربع ساعات وعشرين دقيقة، لكنني ما زلتُ أُطارد انباءك في كل مكان حتى تقربت من كل من يجمع بينك وبينه علاقة، لم أستدل على طريق النسيان ولم أكف عن الشوق والدعاء لك بكل خير، فمن سيأتيني بأخبارك وأنا في ظلمة القبر؟!
أحيانا أُفكر؛ هل القلب الذي سيتحلل ويتفتت سينسى محبوبه؟! ويذهب كل هذا الوجع الذي في داخلي، أم أن اللوعة والألم سيتم تحميلها في ملف خاص يرافق روحي أينما ذهبت؟!
أسئلة كثيرة راودتني، صحيح أنني قد مُتُّ على مراحل عدة الأولى في يوم فراقك،والثانية يوم زفافك وفي كل يوم ينقضي وأنا لا أستطيع التواصل فيه معك ولا رؤيتك ولو بنظرة خاطفة فهل لك أن تتخيل مدى عذابي؟!
تشابهت أيامي بعدك فما عاد لها أهمية إلا نشد وصالك.
ها قد غلبني الحنين وأرداني الشوق شهيدة في محراب قلبك لكنك لا تبالي.
وفي كل ليلة اسهر فيها أدعو الله أن يلهمني الصبر و نسيانك لينزاح هذا الوجع من قلبي كنت أغفو لأحلم بك وأستيقظ ليتجدد الوجع أضعافه، ومن يدري لعل هذا المرض هو خلاصي وهو استجابة لدعائي ليغمرني الله بلطفه ورحمته.
حاولت نسيانك لكنك كنت كالسلاسل الملتفة حول عنق غريق لا يعرف السباحة ولا أحد يحاول انتشاله مما هو فيه كلما حاول الصعود للأعلى هبطت عزيمته وانهارت قواه واتجه نحو ظلمة القاع.
حتى الأشياء التي كانت بيننا لم تسعف علاقتنا ولم تثنيك عن قرارك، فتساقط ريش الأجنحة التي حلق بها حبك، وجرف تيار المرض ما تبقى من أماني، في السابق كنت أرغب في رؤيتك
أما الآن لا اريد لصورتي التي أنا عليها أن تبقى في مخيلتك، تساقطت جدائلي والحاجبين والرمشين كل شيء غدا صحراء قاحلة كما هي روحي.
لكني ما زلت أتساءل كيف ستتلقى خبر موتي؟!
هل ستكتم الحزن في داخلك كما فعلت بحبنا؟!
هل ستزورني في قبري وتنثر الورود وتشعل البخور وترش ماء الورد؟!
أم أنك ستتلقى نبأ وفاتي كأي امرأة غريبة من أبناء الحي، ستواسي جيرانك وكأنك تؤدي واجبك الإنساني لا أكثر؟!
هل ستتمشى في الأزقة ليلا تبكي الذكريات والجنون الذي جمعنا، أم أن ذاكرتك قد أصابها العطب وانمحى ما كان بيننا؟!
آه، الألم يزداد حدة، لن أستطيع ان أكمل لذا
أتمنى بعد رحلة العذاب هذه الوصول للراحة الأبدية، أوصيك بنفسك خيرا، كما أوصيك بكتمان حبنا.
لا تلمني بعد كل شيء أنا لم أخلف العهود التي كانت بيننا، لكن قدر المرض هو الذي سبقني كما سبق وأن أجبرتك الظروف على الزواج من ابنة عمك.
مخلصتك

