وضعوه في وعاء ضيق للغاية مشفوعا بقطع من الطماطم المتهدلة، ثم سدوا الوعاء جيدا بغطاء مليئ بالثقوب ومن حين إلى آخر يرشقونه بنظرة سجان من القرون الوسطى..
قال أحدهم:
- تبا له، لماذا لم يطلق عقيرته بالغناء كعادته، لن يفيده الصمت في شيئ، سأقطع جناحه المتبقي وأسمل عينيه الجاحظتين.
قاطعه الطفل الأكثر دهاء ومكرا:
- سأعمل النار في جسمه القذر، وأذر رماد جثته في الهواء.
قال الطفل المحدودب ذو الشعر المهوش:
-انتظروا، ذروه يلتقط أنفاسه لقد قطعت ذنبه بجزمتي هذه، سآكله نيئا إن لم يستجب لإرادتنا.
وفي حميا هذا الحوار الدموي أطلق عقيرته عاليا وكأنه قد استوعب كنه عباراتهم.
كان لصوته الجريح أثر كبير في
أرواحهم المتعطشة لموسيقى هذه الرهينة البائسة، كانوا يشعلون عيدان الكبريت ويضعونها على ثقوب الغطاء ليختنق بالدخان المتطاير، كلما التزم الصمت وكف عن الغناء، حين يغمى عليه يرشونه بزخات من البصاق مقذعين له في الهجاء، وبقساوة فتحوا غطاء الوعاء سحبوا قطع الطماطم الجافة المتعطنة الملطخة ببرازه .
في الليل قرر أحدهم خفية بعد تبكيت ضمير بأن يطلق سراحه ليخلصه من عقابيل هذا الجحيم اليومي الذي لا يطاق ومن سطوة الكوابيس الليلية التي تهاجمه بقساوة مفرطة.
قاوم هشاشته وهو يضلع بين الأعشاب الحارقة نادبا حظه السيئ وبينما هو كذلك تمرآى أمامه ملاك حسن الهيأة يلمع مثل مصباح سحري ضاربا بعصاه أمام هذا البائس معيدا إياه الى هيئته البشرية الأولى، مانحا إياه فرصة ثانية لتكون مغامرته الوجودية بمنآى عن إراقة الدماء.
ألم يدس السم الذعاف لصديقته
متنصلا من شنيع فعلته متجاهلا قانون المحكمة الأبدية التي أحالته إلى صرصار لاقى من ضروب العنت ما لاقى.

