-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

الدكتورة فاطمة الديبي



الدكتورة فاطمة الديبي .. تكتب : 

 *الفرق الباهر: سردية التحقق الذاتي وحدود التحول الوجودي:*

*دراسة بنيوية في نص الكاتب نور الدين طاهري*


*القصة:*


 تجلت عتمة الفجر في نواحي مدينة بركان وهي تودع خطاي، هناك حيث يربض السكون فوق تلال البرتقال، بينما كانت مدينة الرباط تموج في خاطري كيمٍّ لجيٍّ يسع اثني عشر ألف حالم. فلم يكن السفر مجرد طي مسافات على خارطة الجغرافيا، بل كان عبوراً برزخيّاً بين ذاتٍ تألف الطمأنينة، وذاتٍ تتهيأ لمخاض الامتحان العسير. وقفت في تلك الحشود الغفيرة؛ وجوه شتى، وعقول شُحذت لغاية واحدة، وهي الظفر بموطئ قدم في الضفة الأخرى عبر بوابة السفارات المغربية بأوروبا. وهناك أدركت يقيناً أن الذكاء المجرد ليس إلا سيفاً خشبيّاً في معركة تحتاج إلى دروع من الحكمة؛ فالعبور من مضيق المائة والسبعين من بين تلك الآلاف المؤلفة لم يكن يتطلب حشو الذاكرة، بل تمثُّلَ روح المعرفة وتفكيكَ شفرة النفس البشرية.

انطلق الشرر الأول فوق رقعة الامتحان الكتابي، حيث وضعتنا الأسئلة وجهاً لوجه أمام إشكال معرفي ومصيري: "الحضارة الغربية.. هل نذوب فيها أم نتجاوزها؟"؛ فكان عليّ أن أسكب على الورق فكراً متزناً لا ينكفئ على الذات انغلاقاً، ولا يذوب في الآخر استلاباً، بل يرى في الحضارة الغربية فضاءً للتفاعل والتعايش البنّاء الذي يحفظ للمرء كينونته ويمنحه آليات التجدد. ومن عمق المداد إلى لظى الشفهي، فتحت القاعة أبوابها على مواجهة امتدت طويلاً أمام لجنة مهيبة تشكلت من أربعة مفتشين صهرتهم التجربة؛ فكانوا يلقون بالأسئلة تلو الأسئلة دون توقف، متأرجحين ببراعة بين اللغتين العربية والفرنسية، يسبرون الغور في المنهجية، والديداكتيك، وعلوم التربية، ويختبرون الثبات أمام الحالات التربوية الخاصة والمعقدة.

تشابكت في جعبتي كفايات صنعت الفارق؛ فلم يكن تعدد اللغات عندي مجرد لسان ينطق، بل كان مفاتيح ثقافية تفتح مغاليق العقول، ومتنُ هذا العبور تمكُّنٌ راسخ من علم الديداكتيك وفقه التواصل، الذي حوّل الخطاب إلى جسر حضاري يقرأ ما لم يُكتب في عيون السائلين. ومع الكلمة الأخيرة من تلك المقابلة المضنية، التفت إليّ أحد المفتشين، وبنبرة تختزل وقار المعرفة قال: "إذا نجحت، فلا تهمل الكتب التي أوصلتك إلى هنا.. حافظ عليها!".

وانقشع غبار المعركة المعرفية، لتشهد السنون أن غراس تلك الرحلة لم يقف عند عتبة العبور الأولى، بل أثمر مجداً موصولاً في أروقة المجتمع البلجيكي، حيث لم يكن التواجد مجرد إثبات للذات بل كان تفوقاً جليّاً صاغته نجاحات متتالية شهدت بها المحافل. فالتميز لم يكن وليد صدفة، بل كان الوفاء لتلك الوصية، وثمرة وارفة لشغف عتيق بالقراءة والكتابة، هما النبراس الذي أضاء دياجير الغربة، لتظل الكلمة والوعي هما السلاح الأسمى الذي يعبر بالقارئ من ضيق المحلية إلى أفق أوسع.


*التحليل:*


  تتقاطع في السرد السيري الذاتي آليات الذاكرة الفردية بمكونات الهوية الجماعية، حيث يتحول النص من رصد تسجيلي للأحداث الخارجية إلى أداة لإنتاج دلالات الانتقال ومسارات التحول الوجودي عبر فعل الكتابة. ويسعى هذا التحليل إلى مقاربة نص الكاتب نور الدين طاهري من منظور بنيوي تفكيكي، يتجاوز التصنيف السطحي للخطاطة السردية والبنية الزمنية والمكانية والمقترب السيميائي للعوامل، لينفذ إلى كيفية إنتاج المعنى ووظيفته في توجيه مسار الذات الساردة.

ينطلق النص من عتبة موجهة تختزل القيمة الدلالية الكبرى للمحكي، وتتمثل في العنوان "الفرق الباهر"؛ وهو دالٌّ مركب لا يقف عند حدود الإحالة على النجاح الإجرائي في مباراة انتقائية، بل يؤسس للفارق النوعي والوجودي المتحقق عبر وعي الذات. وبذلك يتحول المؤشر العددي (الموقع التراتبي) من مجرد معطى رقمي تصنيفي إلى علامة سيميائية دالة على نضج الأداة المعرفية في مواجهة إشكالات الهوية والحضارة.

يتأسس المتن الحكائي وفق خطاطة السيرة الذاتية الفكرية التي ترصد انتقال الذات من بيئة جغرافية محلية متسمة بالسكون نحو مركز إداري وتنافسي (العاصمة)، واجتياز عقبات الاختبارين الكتابي والشفهي، وصولا إلى الاستقرار المهني والثقافي في فضاء جغرافي مغاير (المهجر). وتحرك هذه المادة الحكائية خطاطة سردية منتظمة تخضع للمراحل التالية:

وضعية الانطلاق: السكون والاستقرار المحلي (مدينة بركان وتلال برتقالها).

عنصر التحول: السفر نحو العاصمة (الرباط) والانخراط في حشود المتنافسين.

مرحلة الوسط (الصراع): مجابهة الاختبارين؛ الكتابي والشفهي.

لحظة الانفراج الدلالي: تحقق النجاح وتلقي الوصية المعرفية الموجهة.

وضعية النهاية: الامتداد المهني والثقافي في المجتمع البلجيكي.

بيد أن هذا التقسيم الإجرائي لا يعمل بوصفه تتابعا خطيا أملس، بل ينتج المعنى عبر لحظات مفارقة وتوتر بنيوي عميق يعيد تشكيل الذات؛ فلحظة الانفراج المتمثلة في "تلقي الوصية" لا تشكل قطيعة مع ما قبلها، بل تمثل استمرارا بنيويا يحول الحدث الطارئ إلى بنية وجودية ممتدة. فالوصية المعرفية "حافظ عليها" تفكك مفهوم النجاح المؤقت لتعيد صياغته بوصفه مسؤولية تاريخية؛ إنها الأداة التي تضمن عدم ذوبان الذات في فضاء الاغتراب، وتحول التفوق من إنجاز إداري عابر إلى شرط بقاء وهوية مستمرة.

تحرك هذه البنية عبر فضاء مكاني وزماني محكوم بنظام التقابل الدلالي والتنافر النفسي؛ إذ يتوزع المكان بين فضاءات مفتوحة دالة على الثبات والاستقرار الجغرافي (مدينة بركان)، وفضاءات مفتوحة دالة على الحركية والتموج والقلق (مدينة الرباط)، وفضاءات مغلقة تمثل بؤرة الموقف التنافسي الصارم (قاعة الامتحان)، ليفضي النص في نهايته إلى فضاء المهجر (بلجيكا) كحيز جغرافي لإعادة الإنتاج المعرفي.

ويولد هذا التوزيع المكاني دينامية دلالية قائمة على التوتر بين سلطة اللجنة المهيبة من جهة، والذات المتشكلة في مخاض الامتحان من جهة أخرى، وبين المعرفة بوصفها "آلية حشو واستلاب" (تمثلها الحشود) والمعرفة بوصفها "وعيا وتحولا نقدا" (تمثلها الذات). ويتوازى هذا التقسيم مع زمن نفسي متحول؛ يبدأ من "عتمة الفجر" كدلالة على غموض المصير، وينتهي بزمن المستقبل الاستشرافي الذي يتأكد فيه الأثر التاريخي للتجربة.

وعلى مستوى الإيقاع السردي، يشتغل النص وفق آلية التناوب بين تقنيتي التلخيص والمشهد؛ إذ تعتمد اللحظات الانتقالية (اختزال المسافات الجغرافية، رصد حشود المنافسين، والسنوات اللاحقة في ديار المغترب) على الجمل التلخيصية المكثفة لتسريع حركة المحكي السردي. وفي المقابل، يعمد النص إلى إبطاء حركة السرد وتعليقها عبر "الوقفة المشهدية" عند رصد تفاصيل حوار لجنة المفتشين ومنطوق الوصية الختامية، مما يمنح هذه المفاصل ثقلا دراميا يخدم القيمة الدلالية للحدث.

ويتشكل التفاعل الإنساني في النص من خلال بنية العلاقات العاملية المحركة للدينامية السردية بالاستناد إلى النموذج العاملي لغريماس، حيث تخرج الأدوار من إطار التسمية الكلية لتتحدد إجرائيا مشحونة بالتحولات السردية:

العامل المرسِل: مشروع التحقق والارتقاء الوجودي (يتطور من قلق مبهم في البداية إلى يقين معرفي واثق في النهاية).

العامل الموضوع: التميز والتجاوز المعرفي (اجتياز التنافس الحضاري).

العامل المرسَل إليه: الذات الساردة (البطل بوصفه مستفيدا تاريخيا).

العامل الذاتي: السارد في لحظة عبوره البرزخي وتشكيل وعيه.

العامل المساعد: الكفاية المنهجية، التعدد اللغوي، والوصية المهنية (التي تتحول من حدث شفهي إلى بنية مستمرة تحمي الذات في المغترب).

العامل المعارض: كثافة أعداد المنافسين، هيبة اللجنة، وصعوبة الأسئلة المطروحة.

وينتج هذا النموذج معناه من خلال تحولات الرغبة داخل الزمن السردي؛ إذ لا يبدو "العامل المرسِل" فكرة مجردة ثابتة، بل يتجلى كقوة دافعة تتغير وظيفتها عبر النص؛ ففي مشهد الاختبار الكتابي يظهر التوتر في أوج قوته حيث تواجه الذات معضلة الاستلاب أو الانغلاق، فتنتصر الكفاية الفكرية لتكشف أن المعرفة ليست حشوا للذاكرة بل تفكيك لشفرة النفس. وفي مشهد الاختبار الشفهي، تتجسد المعارضة في الأسئلة المتواترة للجنة الرباعية، لتتحول الكفايات التواصلية إلى عوامل مساعدة تحسم الصراع، وتوجَّه الذات نحو موضوعها الأساس: التميز الحضاري.

يفترض النص رؤية سردية مصاحبة (الرؤية مع)، حيث يتطابق السارد مع الشخصية الرئيسية عبر توظيف ضمير المتكلم، مما يتيح رصد الهواجس النفسية والفكرية للبطل دون وسيط حكائي. ومن خلال هذه القناة السردية، تتبدى ثيمات النص الأساسية؛ حيث تتصدر المشهد ثيمة الهوية والآخر عبر سؤال التفاعل الحضاري دون استلاب، وتتلاحم معها ثيمة الاغتراب كحيز جغرافي لإعادة البناء، وثيمة المعرفة بوصفها متغيرا حاسما ينقل الذات من نمط السكون المحلي إلى أفق الفاعلية.

ولخدمة هذا المضمون الثيماتي، يؤسس النص بنية بلاغية تتوخى إنتاج المعنى؛ فالاستعارة تظهر القصور المعرفي القائم على الحفظ عبر تشبيه الذكاء المجرد بـ"السيف الخشبي"، مثلما تكشف الاستعارة المكانية في توصيف الرباط بـ"اليم اللجي" عن العمق والمخاطرة، عاكسة الظرف النفسي المأزوم للبطل. أما التقابل الدلالي فيتضح من خلال ثنائية السكون والحركة القائمة بين "سكون بركان" و"الرباط المائجة"، والتضاد المعجمي بين "الذوبان في الآخر" و"الانغلاق على الذات"، وصولا إلى التكثيف الدلالي في عبارة "العبور البرزخي" كإشارة إلى طبيعة الحد الفاصل للرحلة.

وفي سياق أفق التلقي، يستدعي النص مرجعيات فكرية تتقاطع مع جدل الأنا والآخر؛ إذ يحيل السؤال الامتحاني على أطروحات نقدية ناقشها مفكرون كمالك بن نبي وعبد الله العروي. كما يتقاطع النص أدبيا مع نمط السيرة الفكرية الحديثة، لاسيما كتاب "الأيام" لطه حسين، من حيث تحويل التجربة الفردية إلى مرآة عاكسة لقضايا ثقافية جامعة.


الدكتورة فاطمة الديبي 

تأسيسا على ما سبق، يقدم نص "الفرق الباهر" بنية محكمة نجحت في تحويل المحكي الفردي إلى خطاب سردي دلالي؛ وتكمن قيمته النقدية في تضافر مستوياته البنيوية والأسلوبية لإعادة الاعتبار للثقافة كآلية لحفظ الهوية. غير أن القراءة الفاحصة تبين أن النبرة التفاؤلية المهيمنة قد عملت على تلطيف حدة الصراع الواقعي، إذ بدت العقبات مراحل انتقالية ممهدة أكثر من كونها عوائق حقيقية، مما قلل نسبيا من حدة التوتر الدرامي الملازم لتجربة الاغتراب. ومع ذلك، يظل النص نموذجا دالا على أن التحول الوجودي لا يتحدد بالانتقال الجغرافي، بل بتراكم الوعي النقدي والمعرفة، بوصفه شرطا رئيسا للانتقال من ضيق المحلية إلى أفق الكونية.

عن محرر المقال

aarb313@gmail.com

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية