-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

شغاف القلب… والشغف / أ . حسين عبدالله جمعة - لبنان

 شغاف القلب… والشغف

أ . حسين عبدالله جمعة - لبنان




غريبٌ هذا الشغف...

لا يموت فجأة، ولا يرحل لأن العمر تقدّم بنا، بل يتعب… تمامًا كما يتعب القلب.

منذ مدة وأنا أفكر بهذه الكلمة: شغاف القلب. ذلك الغشاء الرقيق الذي يحيط بالقلب ويحفظه. وأقول في نفسي: لعل الشغف يسكن هناك أيضًا، في المكان نفسه. ولعل كثرة الخذلان لا تجرح القلب وحده، بل تجرح شغافه، حتى يصبح الإنسان يعيش… لكنه لم يعد يلهث كما كان.

في هذا الزمن، زمن الماديات، والإنترنت، وما يُسمّى بمواقع التواصل الاجتماعي، أشعر أنها أصبحت في كثير من الأحيان مواقع للقطيعة الاجتماعية. الناس أكثر من أي وقت مضى، لكن القلوب أبعد من أي وقت مضى.

وأحيانًا أسأل نفسي:

هل كلما عرف الإنسان نفسه أكثر، بدأ الناس يبتعدون عنه؟ أم أن كثرة التجارب تجعله يرى ما لم يكن يراه من قبل، فيختار صمته دون أن يشعر؟

شيئًا فشيئًا، يصبح البيت عالمًا كاملًا. ليس لأنه أجمل من الدنيا، بل لأن الإنسان تعب من ضجيجها. ينتفض على نفسه مرات كثيرة، ويقرر أن يبدأ يومه بهدوء، أو يخرج في مشوار يخفف عنه شيئًا من هذا الركود.

ثم يأتي الغد…

ويأتي معه السؤال نفسه:

إلى أين؟

يقف لحظة…

ثم يعود إلى مكانه.

ليس لأنه فقد القدرة على الحركة، بل لأن شيئًا ما في داخله لم يعد كما كان.

هناك شيء اسمه الشغف… بدأ يتلاشى بصمت.

أتذكر مرحلة الشباب…

كم كانت أحلامنا كثيرة. سيارة، وهاتف جديد، ومال أكثر، وملابس أجمل، ورحلات لا تنتهي. وكنا نظن أن الحياة تقف خلف تلك الأمنيات.

ثم تمضي السنوات…

فتجد السيارة تحت المنزل، والهاتف في يدك، وكثيرًا مما حلمت به صار حقيقة.

لكن المفاجأة…

أن الذي غاب لم يكن الأشياء.

الذي غاب… هو الشغف إليها.

وهنا تبدأ رحلة أخرى.

تتبدل الأمنيات دون أن نشعر.

تصبح علبة الدواء التي لا تنقص نعمة.

ويصبح الطعام البسيط رزقًا.

ويصبح الهدوء أمنية.

وتصبح زيارة المسجد، والجلوس قبل الصلاة مع صفحات من القرآن، من أجمل ما يملكه الإنسان في يومه، لأنها تمنحه ما عجزت الدنيا عن منحه… السلام.

غريبة هذه الحياة…

في الشباب، كنت تقطع مئات الكيلومترات ولا تشعر بالتعب.

أما اليوم، فقد تلغي مشوارًا بعيدًا، وتكتفي بالقرار.

ليس خوفًا…

بل لأنك أصبحت تحب أن تكون قريبًا من بيتك، ومن هدوئك، ومن الأشياء الصغيرة التي تمنحك الطمأنينة.

حتى السيارة…

لم تعد تعني لك أكثر من أنها تقضي حاجتك.

والهاتف…

لم يعد يهمك إلا أن يؤدي وظيفته.

كم تتغير الأشياء…

وكم نتغير نحن معها.

وربما الحقيقة أن الدنيا لم تتغير.

الذي تغيّر… هو الشغف.

كبرنا…

ولم تعد أعيننا تركض خلف كل ما يلمع.

كبرنا…

فعرفنا أن أكثر ما يتعب القلب ليس الفقر، ولا التعب، بل كثرة الخذلان.

أن تعطي الفرصة تلو الأخرى…

وتسامح مرة بعد مرة…

وتحاول أن تحافظ على العلاقات، ثم تكتشف أنك وحدك من كان يحافظ عليها.

هناك…

يبدأ التعب الحقيقي.

ليس تعب الجسد… بل تعب القلب.

وتدرك أن بعض العلاقات لا ينقصها الاعتذار، بل ينقصها الوعي.

وأن بعض الناس لا يتغيرون مهما منحتهم من فرص.

فتنسحب…

لا كرهًا…

ولا انتقامًا…

بل حفاظًا على ما بقي من سلامك الداخلي.

ومع مرور العمر، تكتشف أن أجمل ما يمكن أن تمتلكه ليس سيارة أحدث، ولا هاتفًا أغلى، ولا حسابًا أكبر في البنك.

أجمل ما يمكن أن تمتلكه…

قلبًا هادئًا.

ونومًا مطمئنًا.

ورضا يملأ صدرك.

ومسبحة بين يديك.

وركعتين لا يعلم بهما إلا الله.

عندها فقط…

تفهم أن الشغف لم يمت.

بل تبدّل.

كان يومًا يركض خلف الدنيا…

ثم صار يركض نحو السكينة.

وكان يسكن العين…

ثم عاد ليسكن مكانه الحقيقي…

شغاف القلب.

لعل الشغف لا يموت مع تقدّم العمر، بل يعود إلى مكانه الأول… إلى شغاف القلب. هناك، بعيدًا عن ضجيج الدنيا، لا يعود يبحث عن سيارة، ولا عن هاتف، ولا عن تصفيق الناس. يكتشف أن قلبًا مطمئنًا، وروحًا راضية، وسلامًا داخليًا… هي أعظم الأحلام التي كان يلهث وراءها دون أن يدري. وربما… لم يكن ذلك أفول الشغف، بل نضجه.



عن محرر المقال

aarb313@gmail.com

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية