-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

قراءة نقدية لقصيدة “زمنٌ لا تشفع فيه العاطفة” للشاعرة الفلسطينية نهى عودة.




 قراءة نقدية لقصيدة “زمنٌ لا تشفع فيه العاطفة”

 للشاعرة الفلسطينية نهى عودة.

د.أحمد محمد عيسى

باحث وخبير تربوي


تُعدُّ قصيدة “زمنٌ لا تشفع فيه العاطفة” للشاعرة الفلسطينية نهى عودة (ياسمينة عكا) نصًا شعريًا يفيض بعمق الرؤية، ويعكس وعيًا وجوديًا يتجاوز حدود البوح الذاتي إلى مساءلة الإنسان والزمن والمكان. فالقصيدة لا تكتفي برصد الألم، بل تُعيد تشكيله في صور شعرية كثيفة، تجعل القارئ شريكًا في التأمل والبحث عن المعنى.

تبدأ الشاعرة بصورة لافتة: “تغدو الأشياء غريبة التناسق”، لتعلن منذ السطر الأول عن اختلال العالم وانكسار انسجامه. وهذا الاستهلال يحمل دلالة فلسفية؛ فالغرابة هنا ليست في الأشياء، بل في العلاقة التي باتت تربط الإنسان بها، وكأن الواقع فقد منطقه، وأصبحت البيوت، التي ترمز عادةً إلى الأمان، مجرد كتل صامتة يرصدها “وهن الشجر”، في استعارة موفقة تجمع بين هشاشة الإنسان والطبيعة في آن واحد.

ومن أبرز مواطن الجمال في النص توظيف الشاعرة للأسئلة المفتوحة، مثل:

“ومن يسمع ذلك الأنين المخفي بين دحرجة الوقت، وبين طيات طبقاته؟”

فهذه الأسئلة لا تبحث عن إجابة مباشرة، بل تفتح أفقًا تأويليًا واسعًا، وتمنح القصيدة بعدها التأملي، حيث يتحول الزمن إلى كائن حي يخفي في طبقاته أوجاعًا لا تُرى.

ويأتي عنوان القصيدة محورًا دلاليًا للنص كله؛ فقولها:

“هو زمن لا تشفع فيه كل العاطفة”

ليس تعبيرًا عن اليأس، بل تشخيص لواقع فقدت فيه المشاعر قدرتها على تغيير المآلات. وهنا تنجح الشاعرة في تصوير المفارقة بين غزارة الحب وعجزه أمام قسوة الزمن، وهي ثيمة إنسانية تتجاوز التجربة الفردية إلى الهم الجمعي.

كما يحضر البعد الروحي بعمق في قولها:

“أسلمت وجهي للذي جعل من هذا الجبل تصدعًا”،

ثم في خاتمتها:

“ولا أزال أؤمن بأنها من أمر ربي.”

فالإيمان هنا لا يأتي بوصفه مخرجًا شعريًا فحسب، بل يمثل مرتكزًا وجوديًا يحفظ للقصيدة توازنها بين الألم والرجاء، وبين الانكسار والتسليم.

وتتجلى براعة الشاعرة أيضًا في اعترافها الصادق بالتناقض الإنساني:

“أنا كل المتناقضات في آن، كل الشغف، والبرود، ولربما هذه المرة الحكمة.”

فهذا الاعتراف يمنح النص صدقه الفني، ويؤكد أن الإنسان ليس كائنًا أحادي المشاعر، بل هو مزيج من التوترات التي تصنع نضجه وتجربته.

لغويًا، تمتاز القصيدة بلغة رشيقة ومكثفة، تعتمد على الصورة والإيحاء أكثر من المباشرة، وتنسج علاقات جمالية بين المفردات، مما يمنح النص موسيقى داخلية هادئة تنسجم مع حالته التأملية. كما أن اعتماد الشاعرة على قصيدة النثر أتاح لها حرية التعبير عن رؤيتها دون قيود الوزن، مع المحافظة على الإيقاع النفسي للنص.

في المجمل، تُثبت نهى عودة في هذه القصيدة أنها تمتلك صوتًا شعريًا ناضجًا، قادرًا على تحويل التجربة الشخصية إلى رؤية إنسانية شاملة، وعلى صياغة الألم بلغة راقية تجمع بين الحس الفلسفي والشفافية الوجدانية. 

إنها قصيدة تُقرأ أكثر من مرة، لأن كل قراءة تكشف طبقة جديدة من المعنى، وتؤكد أن الشعر الحقيقي لا يكتفي بوصف الواقع، بل يعيد اكتشافه وصياغته.

القصيدة : 

تغدو الأشياءُ غريبةَ التناسق

فالتصاقُ ما شَبِهَ لك بالبيوتِ المرصوصةِ 

يرصده وهنُ الشجر

فما كلُّ الأصواتِ 

التي تتوالى بين الجبال

ومن يسمعُ ذلك الأنينَ المخفيَّ 

بين دحرجةِ الوقت، وبين طيّاتِ طبقاته؟

يا صديقي

هو زمنٌ لا تشفعُ فيه كلُّ العاطفة

 لا يكفيه كلُّ الحب، ولا تُشبعه الرغبة

فما العتمةُ الممتدةُ بين هذا وذاك؟

أسلمتُ وجهي للذي جعل من هذا الجبلِ تصدّعًا، 

ولم يُنزِلْ بعدُ قرآنَه

أنا لم أَعُدْ بين حنيني والذكرى،

ولم أشفعْ لكلِّ هذه البيوت إلّا إذا علمتُ ما وراءها

هذه المياهُ ليست بالعذبة،

وعُدتُ من طفولتي غريبةً

وما زلتُ

أنا كلُّ المتناقضاتِ في آنٍ،

كلُّ الشغف، والبرود،

ولربما هذه المرّةَ الحكمة.

لكنّ الأرواحَ لم تلتئم،

ولا أزال أؤمنُ بأنّها من أمرِ ربّي،

وأنا، وكلُّ هذا الشجن

لم يبقَ لديَّ أيُّ

 حيلة


#زمن_لا_تشفع_فيه_العاطفة

نهى شحادة عودة


عن محرر المقال

aarb313@gmail.com

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية