أ . حسين داخل الفضلي .. يكتب :
المسرح العراقي ....لماذا غاب وهج الخشبة الان ؟ ومن يعيد ألقه ؟
كان المسرح العراقي يومًا ما مرآة المجتمع، ومنبرًا للفكر، ونافذةً يطل منها العراقيون على همومهم وأحلامهم. ففي سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، ازدهرت الحركة المسرحية حتى غدت بغداد إحدى أهم العواصم العربية في هذا الفن، تعجّ بالمسارح والجمهور، وتزدحم خشباتها بأعمالٍ خالدة ما زالت راسخة في ذاكرة الأجيال.
من هناك مرّت أسماء كبيرة صنعت مجد المسرح العراقي، وارتقت به إلى مصاف المدارس المسرحية العربية الرائدة. كان الممثلون والممثلات نجومًا حقيقيين، وكان كاتب المسرحية يمتلك رؤيةً ورسالةً، فيما كان المخرج يحوّل النص إلى لوحةٍ فنية تنبض بالحياة. ولم تكن العروض تقتصر على المسرح الوطني أو المسارح الكبرى، بل كانت تُقام حتى في القاعات الصغيرة التي لا تتسع إلا لعشرات المقاعد، لكنها كانت تمتلئ بالجمهور المتعطش للفن والثقافة.
أما اليوم، فيقف المتابع أمام سؤال مؤلم: أين المسرح العراقي؟ وأين ذلك الحضور الذي كان يملأ الساحة الثقافية؟ أين كبار الممثلين والممثلات الذين صنعوا تاريخ الفن العراقي؟ وأين كتاب المسرح الذين كانت نصوصهم تناقش قضايا الإنسان والوطن؟ وأين المخرجون الذين أدهشوا الجمهور بإبداعاتهم؟
ثم أين المسرح الوطني، وأين مسرح الرشيد اللذان كانا عنوانًا للإبداع وملتقى للمثقفين والفنانين؟ وهل ما زالا يؤديان الدور الذي عرفهما به العراقيون، أم أن الزمن قد ترك عليهما آثار الإهمال؟
ولا يمكن فصل واقع المسرح عن واقع الثقافة عمومًا. فبعد التغيير السياسي في العراق، كان الأمل كبيرًا بأن تشهد المؤسسات الثقافية نهضة جديدة، وأن يُعاد الاعتبار للفنون بوصفها أحد أعمدة بناء الإنسان. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا لم تحظَ الثقافة والفنون، وفي مقدمتها المسرح، بالاهتمام الذي تستحقه؟ هل انشغلت الحكومات بملفات أخرى حتى تراجع الاهتمام بالمسرح؟ أم أن الثقافة لم تعد ضمن أولويات صناعة القرار؟
إن المسرح ليس وسيلةً للترفيه فحسب، بل هو مدرسة للتربية والجمال والوعي، ومنصة للحوار، وسجل حيّ لذاكرة الشعوب. وكل أمة تهمل مسرحها إنما تفرّط بجزء من هويتها الحضارية، لأن خشبة المسرح كانت وما زالت المكان الذي يلتقي فيه الفكر بالإبداع، والكلمة بالفعل.
ويبقى الأمل قائمًا في نهضة شاملة تعيد للمسرح العراقي مكانته التي يستحقها. نهضة تبدأ بدعم الدولة للمؤسسات الثقافية، وتأهيل المسارح، وتشجيع الكتاب والمخرجين والممثلين الشباب، وإقامة المهرجانات، وإعادة الجمهور إلى قاعات العرض، حتى يستعيد المسرح العراقي دوره الريادي الذي عرفه الوطن العربي لعقود طويلة.
فالمسرح العراقي لم يكن مجرد خشبة وعرض، بل كان تاريخًا من الإبداع، وصوتًا للحرية، ورسالةً للوعي، وجزءًا أصيلًا من هوية العراق الثقافية. والسؤال الذي سيظل يتردد حتى يعود هذا الفن إلى سابق عهده: هل نشهد قريبًا ولادةً جديدة للمسرح العراقي، أم سيبقى ينتظر من يعيد إليه ألقه، ويوقظ أنواره من جديد؟

