-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

أصدقُ الأشواق ✍️ أ . مصطفى العمراني

 أصدقُ الأشواق

✍️ أ . مصطفى العمراني





ليس الشوقُ في جوهره افتقادًا لما غاب فحسب، بل هو الامتداد الخفيُّ لما يسكن القلب من معانٍ نبيلة، وما تختزنه الروح من صورٍ عصيّة على النسيان.. إنّه اللغة التي يعجز اللسان عن الإفصاح عنها، فتتولى القلوب ترجمتها، وتبوح بها العيون في صمتٍ أبلغ من كل بيان.


أصدقُ الأشواق هو ذلك الذي لا تُحرّكه نزوةٌ عابرة، ولا تصنعه رغبةٌ آنية، وإنما يولد من صفاء المحبة، ويتغذّى من الوفاء، ويكبر في ظلال القيم حتى يغدو جزءًا من هوية الإنسان وملامحه الروحية.. إنه شوقٌ يسمو على حدود المكان والزمان، لأن ما تعلّق بالأرواح لا تُقاس مسافاته بخطوات، ولا تُحدَّد مواعيده بعقارب الساعات.


ولعلّ أشدَّ ما يعتصر القلب اليوم ليس غياب الأشخاص، وإنما غياب المعاني.. نشتاق إلى الكلمة التي تُقال بصدق، وإلى الموقف الذي لا تحكمه المصلحة، وإلى الوجوه التي ما زالت تحتفظ بضياء الطيبة رغم عتمة العالم. نشتاق إلى زمنٍ كان الوفاء فيه خُلُقًا، وكانت المحبة عهدًا، وكانت الإنسانية ميزانًا تُوزن به النفوس.


وليس الشوق ضعفًا كما يتوهّم البعض، بل هو إحدى علامات امتلاء الروح. فالقلب الذي لا يشتاق، قلبٌ فقد دهشته الأولى، وأغلق نوافذه في وجه الجمال.. أما الأرواح الكبيرة، فإنها تظلّ مشدودةً إلى كل ما هو أنقى وأسمى؛ تشتاق إلى المعرفة لأنها نور، وإلى الحكمة لأنها خلاص، وإلى الإبداع لأنه الصورة الأجمل لقدرة الإنسان على مقاومة العدم.


وحين يشتاق المرء إلى وطنٍ أكثر عدلًا، وإلى ثقافةٍ أكثر إشراقًا، وإلى إنسانٍ أكثر رحمة، فإنه لا يعيش أسير الأحلام، بل يؤمن بأن المستقبل يُبنى بالأمل قبل أن يُبنى بالحجارة.. فكل نهضةٍ عظيمة بدأت بشوقٍ صادق، وكل أثرٍ خالد كان في أصله حلمًا رفض أن يستسلم لليأس.


إن أصدق الأشواق هو ذلك الذي يوقظ فينا أجمل ما كاد يخبو؛ يعيد إلى الكلمة قدسيتها، وإلى المحبة معناها، وإلى الإنسان إنسانيته.. هو الشوق الذي لا يكتفي بالبكاء على ما مضى، بل يزرع في الدروب بذور الغد، ويؤمن أن الجمال، مهما توارى، لا يموت، وأن النور، مهما طال الليل، لا بد أن يجد منفذه إلى الفجر.


وهكذا يمضي الإنسان في رحلته، يحمل بين أضلاعه شوقًا لا يخفت، كأنه مصباحٌ تهبه الروح لخطواتها كلما أرهقها الطريق.. وما دام في القلب متّسعٌ للأمل، وفي الفكر إيمانٌ بقيمة الجمال، فإن أصدق الأشواق سيظلُّ القوة الخفية التي تسمو بالإنسان فوق هشاشة الواقع، وتدعوه إلى أن يكون، في كل يوم، نسخةً أكثر صفاءً وصدقًا من نفسه.


فالشوق الصادق ليس انتظارًا لما قد يأتي، بل هو يقينٌ بأن الأرواح العظيمة لا تعيش إلا وهي تتطلع إلى أفقٍ أرحب، وإلى حقيقةٍ أنقى، وإلى حياةٍ تليق بكرامة الإنسان.. ومن هذا الشوق تبدأ الحكايات التي لا يطويها الزمن، وتولد الكلمات التي تبقى، لأنها كُتبت بماء القلب قبل أن تُكتب بمداد الأقلام.


عن محرر المقال

aarb313@gmail.com

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية