-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

عتبات الرؤية ومفارقات الرمز في تجربة نهى عودة الشعرية ... بقلم: نازك الخنيزي

 عتبات الرؤية

 ومفارقات الرمز في تجربة نهى عودة الشعرية

بقلم: نازك الخنيزي




ليست العناوين في تجربة الشاعرة الفلسطينية نهى عودة أبوابًا خارجية للنصوص، ولا لافتاتٍ جمالية تقف على عتبات القصائد، وإنما هي مفاتيح كاشفة لرؤيا شعرية تتشكّل من تماسّات دقيقة بين الحنين والمقاومة، والوجع والضوء، والأنوثة والوعي، والوطن وأسئلة الوجود. فمن يقترب من هذه العناوين يكتشف أن الشاعرة لا تختارها من خارج التجربة، بل تنحتها من صميم توترها الداخلي؛ حيث يغدو العنوان جزءًا من بنية النص، لا مجرّد اسمٍ يسبقه.


وقد ورد في تقديم ديوانها «غصن وبندقية» أن نتاجها الأدبي شمل عوالم متعددة؛ تنقلت فيها بين «نثرات روح»، و**«ولقلبي رأي آخر»، و«أنامل صوفية»، و«دموع وردية»**، ورواية «على قارعة الحنين»، وصولًا إلى ديوانها «غصن وبندقية»؛ ثم تتسع تجربتها لاحقًا في «امرأة النور ترمي النرد». وهذا التعدد في العناوين يكشف عن انشغال إنساني وجمالي واضح بالروح، والحنين، والهوية، وأبعاد الجرح الفلسطيني.  


«دموع وردية»: وجعٌ بلون الضوء


في «دموع وردية»، وحتى من عتبته الأولى، تتبدى مفارقة وجدانية لافتة؛ فالدموع تحيل تلقائيًّا إلى الفقد والانكسار، بينما تمنحها الورديّة مسحة رقيقة من الجمال والاحتمال. ومن هنا يمكن النظر إلى العنوان بوصفه مفتاحًا أساسيًّا لحساسية نهى عودة الشعرية؛ فهي لا تكتب الوجع في عتمته الخالصة، ولا تجعل الجمال منفصلًا عن أثر الجرح، بل تتركهما يتجاوران في منطقة إنسانية واحدة، حيث تصبح الدمعة أثرًا للحنين، وتصير الورديّة محاولة شفيفة لإنقاذ الحزن من قتامته.


إن الورديّ هنا لا يجمّل الألم على نحو عابر، ولا يخفف من قسوته بإضافة لونية خارجية، وإنما يمنحه قابلية أخرى للقراءة؛ فالحزن في عالم نهى عودة لا يستسلم لعتمته، والدمعة لا تنتهي عند حدود الانكسار، بل تتحول إلى أثرٍ وجدانيّ قادر على الاحتفاظ بشيء من الضوء. وهكذا يغدو العنوان اختزالًا مبكرًا لطبيعة الكتابة لديها: كتابة تعرف الجرح، لكنها لا تمنحه حقّ ابتلاع الروح.


«غصن وبندقية»: اخضرارٌ يحرسه الرصاص


أما في «غصن وبندقية»، فتتخذ المفارقة بُعدًا وطنيًّا أكثر التصاقًا بالهوية الفلسطينية. فالديوان يربط عنوانه بالقضية الفلسطينية ربطًا عضويًّا؛ إذ يشير الغصن إلى الخصوصية، والنماء، والتشبث بالأرض، بينما تشير البندقية إلى كفاح الشعب الفلسطيني وارتباطه بتاريخه وهويته واستعداده الدائم للتضحية. بهذا المعنى، لا يكون الغصن نقيضًا للبندقية، ولا البندقية نفيًا للغصن؛ إنهما معًا صورة الوطن الذي يريد أن يورق بالحياة، لكنه مضطر، في الوقت ذاته، إلى حماية اخضراره من المحو والنسيان.


ويؤكد الديوان هذا الالتحام بين الوطن والوجدان منذ مقدمته الأولى، حيث تأتي فلسطين في صورة حاضرة لا تغادر الذاكرة:


«تبقى فلسطين وتبقى قدسنا

حلمًا وطيفًا لا يبارح خاطري»


ثم تتسع الصورة لتصبح أرضًا للأجداد، ومهدًا للطفولة، وحضورًا مشتعلًا في أوردة القلب. هنا لا تكتب الشاعرة فلسطين بوصفها شعارًا سياسيًّا عابرًا، بل بوصفها كيانًا داخليًّا يتردد في الذاكرة، واللغة، والحنين.


وفي موضع آخر من الديوان، تتخذ اللغة منحى وجدانيًّا حميمًا حين تقول:


«لم تنقص السنوات شيئًا من لهفتي عليك

كنتَ على مسافةٍ متلاصقةٍ.. شاسعةٍ في آن»


وهي عبارة تكشف طبيعة الحضور الغائب في شعرها؛ فالبعيد يظل قريبًا، والقريب يظل موجعًا، والمسافة لا تُقاس بالجغرافيا بقدر ما تُقاس بقدرة القلب على الاحتفاظ بما يحب. لذلك يصبح الوطن في هذا الديوان حالة تماس دائم بين الفقد والقرب، وبين الغياب والامتلاء.


ومن هنا تتجاوز البندقية معناها المباشر، لتغدو رمزًا لحراسة الذاكرة، كما يتجاوز الغصن صورته النباتية ليصير علامة على الحياة التي تصرّ على الاستمرار. فالشاعرة لا تفصل بين الوردة وحقها في البقاء، ولا بين الحلم ووجوب الدفاع عنه؛ إنها تكتب فلسطين بوصفها غصنًا يعرف معنى الرصاص، وبندقية لا تنسى أصلها الأخضر.


«امرأة النور ترمي النرد»: حين تواجه المرأة احتمالات المصير


ينقلنا ديوان «امرأة النور ترمي النرد» إلى أفق رمزي وفلسفي أوسع. فحلم العودة إلى فلسطين، كما يتبدى في مناخات الديوان، ليس حلمًا فرديًّا عابرًا، بل حلم «يولد قبل أن يولد الإنسان الفلسطيني في خيام اللجوء أو في دنيا الغربة والاغتراب»، ويتوارثه الأبناء والأحفاد. ومن هنا يصبح الحلم في تجربة الشاعرة ميراثًا روحيًّا وجماعيًّا؛ إنه الحبل السرّي الذي يربط الفلسطيني بأرضه، حتى وهو في أقصى منافي الشتات.


وفي هذا الفضاء، تذوب السيرة الذاتية للشاعرة نهى عودة لتلتحم بالهمّ الجماعي؛ فهي تتوحد بحلم العودة، وتتوغل في أقاصيص جدتها عن عكّا، حتى تغتسل في أريجها وتصوغ منها اسمها الشعري الرمزي: «ياسمينة عكّا». وبذلك لا يعود اللقب مجرد زينة أدبية، بل يصبح خلاصة لهوية كاملة تجمع الذاكرة، والمرأة، والوطن في جسد واحد.


أما شق العنوان الآخر، «ترمي النرد»، فيحمل دلالة وجودية عميقة؛ فالرمي هنا ليس تسليمًا للمصادفة أو العبث، بل مواجهة واعية من امرأة النور لاحتمالات القدر واللجوء وثقل الشتات. إنها لا تقف أمام المجهول بوصفها كائنًا مهزومًا، بل تدخل احتمالاته محمولةً بنورها الداخلي، كأنها تعيد ترتيب الفوضى بما تملكه من وعي، وذاكرة، وإصرار.


ومن نصوص الديوان نلمح حدة السؤال الفلسطيني ومرارة الخذلان، كما في قولها الشاكي:


«أكتب لأني ممزقة الروح»


ثم في تساؤلاتها الاستنكارية المكتنزة بالوجع:


«هل نملك اللون نفسه؟»

«هل يجري الدم ذاته فينا؟»


هذه الأسئلة لا تقف عند حدود العاطفة المجردة، بل تكشف وعيًا موجوعًا بانكسار المعنى العربي العام أمام فداحة الجرح الفلسطيني؛ فالكتابة هنا ليست ترفًا وجدانيًّا، وإنما ضرورة تنبثق من تمزق الروح وعجز الواقع.


وفي قصيدة أخرى، تبلغ العلاقة بين الحب والثورة ذروتها حين تقول:


«أن تحبي ثائرًا

يعني أن تكون جميع الرصاصات موجهة إلى صدرك»


وتقول:


«أن تحبي فلسطينيًا

يعني أن تكتبي ذكرياتك بالدموع»


هنا يتجلى الحب بوصفه مشاركة في الخطر والمصير؛ فلا تقف المرأة على هامش القضية، ولا تكتفي بدور الشاهدة على الفقد، بل تحمل رصاصها الرمزي في صدرها، وتحفظ الذاكرة بوجعها، وتكتب الحب من جهة التضحية لا من جهة العاطفة وحدها.



بين «دموع وردية»، و**«غصن وبندقية»، و«امرأة النور ترمي النرد»**، تتضح جليًّا قدرة الشاعرة نهى عودة على بناء الرمز من رحم المفارقة. ففي الأول يتجاور الوجع والرقة، وفي الثاني تتعانق الحياة والمقاومة، وفي الثالث تواجه المرأة احتمالات المصير بطاقة النور.


إن عناوينها لم تكن يومًا أبوابًا جمالية عابرة، بل علامات فارقة على مشروع شعري يرى أن الجمال لا يولد بعيدًا عن الجرح، وأن الحنين الفلسطيني لا يكتمل إلا حين يتحول إلى فعل بقاء، وأن المرأة ليست مجرد ظل خافت في الذاكرة، بل حارستها الأولى، وصوت استمرارها الحيّ.


وبهذا المعنى، لا تبدو عناوين نهى عودة مجرّد أسماء تسبق النصوص، بل عتباتٍ مضيئة تقود إلى جوهر التجربة؛ حيث يغدو العنوان ذاكرةً مصغّرة، والرمز بيتًا للمعنى، والقصيدة شكلًا آخر من أشكال العودة.

عن محرر المقال

aarb313@gmail.com

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية