غادة الحسيني .. تكتب :
ياسمينةُ عكّا... حين يصبح الشعرُ منفىً آخر للوطن
احتفاءً بكتاب الأديب ناصر رمضان عبد الحميد: ياسمينة عكا... الشاعرة الفلسطينية نهى شحادة عودة.. سيرة الشعر والمنفى
قراءة في البعد الصوفي والجمالي في التجربة الشعرية
يأتي هذا الكتاب الذي أنجزه الأديب ناصر رمضان عبد الحميد احتفاءً بتجربة شعرية فلسطينية تستحق التوثيق والدراسة، وتجسيداً لوفاءٍ أدبي تجاه صوتٍ استطاع أن يرسخ حضوره في المشهد الثقافي العربي بصدق التجربة وجمال الرؤية. فالاحتفاء بالشاعرة نهى شحادة عودة، المعروفة بلقب "ياسمينة عكا"، ليس احتفاءً بشاعرة فحسب، بل هو احتفاء بالشعر الفلسطيني الذي ظل، عبر عقود طويلة، حارساً للهوية، وذاكرةً للمكان، ولساناً للمقاومة، ومرآةً للإنسان الفلسطيني في غربته ومعاناته وأحلامه.
ولا يكتفي هذا الكتاب بتوثيق مسيرة الشاعرة وإبداعها، بل يقترب من عالمها الشعري قراءةً وتحليلاً، ويضيء ملامح مشروعها الأدبي، ويكشف عن الخصائص الفنية والفكرية التي جعلت من تجربتها واحدة من التجارب النسائية الفلسطينية الجديرة بالتأمل والدراسة.
لقد ظلّت القضية الفلسطينية على امتداد العصر الحديث والمعاصر منبعاً أساسياً لإلهام الشعر العربي، إذ وجد فيها الشعراء قضية الإنسان والحرية والكرامة. وإذا كان الشعر الفلسطيني قد شكّل سجلاً وطنياً للمقاومة والصمود، فإن المرأة الفلسطينية كانت من أبرز صانعي هذا السجل، وقدمت أسماء كبيرة تركت بصمتها الواضحة في الأدب العربي، مثل فدوى طوقان، وسلمى الخضراء الجيوسي، وليلى علوش، وعشرات الشاعرات اللواتي أسهمن في بناء المشهد الثقافي الفلسطيني والعربي.
ومن هذا الامتداد الإبداعي تبرز نهى شحادة عودة، التي تمثل استمراراً طبيعياً لهذا الصوت النسوي الفلسطيني، لكنها في الوقت نفسه تمتلك بصمتها الخاصة، إذ تنحاز إلى القصيدة التأملية المشبعة بالرمز، وتمنح اللغة بعداً روحياً يجعلها تتجاوز حدود التعبير المباشر إلى فضاءات الكشف والإشراق.
إن المتأمل في شعر نهى عودة يدرك أنه أمام شاعرة لا تكتب الحدث بقدر ما تكتب أثره في الروح، ولا تصف الأشياء بقدر ما تنفذ إلى جوهرها. ولذلك تبدو قصائدها أقرب إلى الرحلات الداخلية التي يتداخل فيها الوجدان مع الفكر، والإنسان مع المطلق، والوطن مع الذات، وهو ما يمنح نصوصها مسحة صوفية واضحة، تتجلى في لغتها ورموزها وإيقاعها النفسي.
وتظهر هذه السمة جلية في نصها «ظلي الأنيق»، الذي يعد نموذجاً معبراً عن رؤيتها الشعرية. فمنذ السطر الأول تقول:
«أبدع في وصف المشاعر المبعثرة على فوهة الأشياء.»
إنها لا تبدأ من الواقع، وإنما من الشعور، لتعلن أن القصيدة رحلة نحو الداخل، وأن الأشياء لا تُرى بعيونها، بل بما تتركه من أثر في النفس.
ثم ترتقي التجربة إلى بعدها الروحي في قولها:
«أسبّح للخالق... أناجيه بنجوى الخلاص... نجوى السلام... الهدنة بيني وبين روحي.»
وهنا تبلغ القصيدة إحدى أجمل لحظاتها الصوفية؛ فالتسبيح ليس طقساً دينياً فحسب، وإنما وسيلة للوصول إلى الطمأنينة، والنجوى ليست مجرد دعاء، بل بحث عن الصفاء الداخلي، وعن المصالحة بين الإنسان ونفسه، وهي رؤية طالما حضرت في التجربة الصوفية التي تجعل الطريق إلى الله طريقاً إلى معرفة الذات.
وتزداد الرمزية عمقاً عندما تقول:
«ومتاهة اللعبة بيني وبين ظلي... ظلي الأنيق المتمرد على استقامة الدرب وعلى اعوجاجه.»
فالظل هنا ليس ظلاً مادياً، بل صورة النفس الأخرى، أو الذات الخفية التي تتحرك خارج قوانين الواقع، فتتمرد حتى على التناقض نفسه، وكأنها تبحث عن الحقيقة التي لا تحدها الثنائيات.
وتتواصل الرحلة الداخلية بقولها:
«إن حدثت عتمة مفاجئة... أعاتبه على الغياب... على الحضور الهادئ الصامت.»
وفي هذا المقطع يتجلى مفهوم الحضور والغياب الذي شكّل أحد أبرز مرتكزات الخطاب الصوفي، حيث يتحول الغياب إلى حضور أعمق، ويصبح الصمت لغةً أخرى للكشف والمعرفة.
أما خاتمة القصيدة، حين تقول:
«فمن يسعفني إن أضعت مفاتيح اللقاء... والاكتمال العذب.»
فإنها تختزل جوهر التجربة كلها؛ إذ تتحول مفاتيح اللقاء إلى رمز للبحث عن اكتمال الذات، وعن الحقيقة التي تظل بعيدة، فيبقى السؤال مفتوحاً، ويبقى الشعر وسيلةً للبحث لا للوصول.
وهكذا تؤكد نهى عودة أن الشعر ليس زخرفة لغوية، وإنما تجربة وجودية تتجاوز حدود المكان والزمان، وتمنح الإنسان فرصةً للتأمل في ذاته وفي العالم من حوله. وهي في ذلك تواصل تقاليد الشعر الفلسطيني، لكنها تضيف إليها بعداً روحياً يجعل القصيدة مساحةً للتأمل والكشف، لا مجرد مساحة للبوح.
ومن هنا تأتي أهمية كتاب «ياسمينة عكا... الشاعرة الفلسطينية نهى شحادة عودة.. سيرة الشعر والمنفى»، فهو لا يكتفي برصد المسيرة الأدبية للشاعرة، بل يقدم للقارئ رؤية نقدية توثق تجربتها، وتكشف ملامحها الفنية والإنسانية، وتضعها في سياقها الطبيعي داخل مسيرة الشعر الفلسطيني الحديث، ليغدو هذا الكتاب وثيقة أدبية تحفظ تجربة تستحق البقاء، وشهادة وفاء لصوتٍ شعري ما زال يؤمن بأن الكلمة الصادقة قادرة على أن تهزم الغياب، وأن تجعل من الشعر وطناً لا يعرف المنفى.

