-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

لن يتعانقا… أ . سمية الإسماعيل/ سورية

 لن يتعانقا…

أ . سمية الإسماعيل/ سورية



غافيةً على ضفّة النهر ، تلك البلدة الهادئة الوادعة، لم يكن يُسمع في هذا الوقت إلا صوت رقرقة المياه في جريانها، ضوء القمر يفرض سلطانه فيصطبغ المكان بالضياء. على مقربةٍ من المسجد، و على غير المعهود، يرقد ذاك البيت وسط حديقةً ممتدّة .. الأنوار مطفأة ، و لا دليل لحياةٍ تنبعث أنفاسها من المكان. 


وقت السحر، يخرج من حلقة الذكر، ممشوق القدّ يعتمر طاقيته و يمسك بسبحته، يجلس في مكانه المعتاد على صخرة تُطل على النهر، يغمس قدميه في مياهه و كأنه يكمل طقوس التطّهر. صوت طرقات حبات السبحة يكسر رتابة السكون.


هناك، تعيش مع أبوين مسنين، في ذلك البيتٍ غير بعيدٍ حيث حلقة الذكر، لم يستهويها يومًا أيّ من هذه الطقوس، بل كانت تستهجنها أحيانًا. تقول " إن الرب يسمع همسك حين تناجيه، فلم كل هذا الهرج؟".


 تقترب من الضفة فيغمرها الضياء، تسبح روحها في ملكوت آخر، عيناها معلقتان في السماء و يداها  تتقاطعان على صدرها، تتمتم صلواتها ثم تضمهما و تقبل السلسلة التي تنسدل على صدرها.


صافية القلب ما زالت، لم تتعكّر سريرتها، تنذر صومًا إن طاف بها طائفٌ من أرق أو شكّ حتى تبعد وساوسًا تحاول أن تثنيها عن طريق هي اختارت خطواته. 


يلتقيان مصادفةً، قد يكون ذلك تدبيرًا من السماء، قارب الفجر على الانبلاج. اعتادت أن تستمع لصوته الملائكي في تراتيله، كما كانت تسميها، يلاحق  آخر فلول الليل، لا تعرف كيف قادتها قدماها إلى هناك، هاتفٌ لا تدري كنهه، لكنّه هو يعرف أنّه في هذا المكان سكينة خلوته. يجلس طويلًا، عيناه معلّقتان في السماء تتابعان كل حركة للنجم أو الغيم، يبتهل و يُسبّح في كل طرفة عين.. حتى انبلاج الفجر و تموسق أول شعاعٍ للشمس مع زقزقات الطير


الدار أمان، كما يقولون.. فالبلدة قد تآلفت رغم اختلاف الشعائر.. حاولت التراجع، لكن بعض آياتٍ كان يرتلها استوقفتها. جلست على غير إرادةٍ منها، أسبلت عيناها، و غرقت معه في لجة عشق حلّقت بروحيهما إلى عنان الملكوت. 


لم ينظر إليها صراحةً، لكن قلبه كان يعلو ضجيجه كلّما طرفت باتجاهها عينه.


-لقد كفكف الليل رداءه و أزف الصباح.. يا ابنة الناس، عودي حتى لا يُقال أن الشيخ فتنته حوريّة.


لم تغادره عيناها.. قد سحرها و ما ملكت أن تردّ سحره


-و قد يُقال أن ملاكًا قد ألبسني ثوب القداسة.. 


لم يعد الأمر صدفةً، بل رغبة اجتاحتهما كليهما، رغم تلك المسافة التي ما زالت تفصل بين مقعديهما، إلّا أن هناك عناقًا كان يمارس طقوسه الصوفيّة بكل جموح. كم ودّت أن ترجم تلك المسافة، أن تمحو خارطة المكان و تعيد رسم الحدود بينهما. لكن كيف تعبث بما لم يجزه الرب! 


-عبثًا تحاولين، فما تعتصرينه من سراب أحلامك، لن يسدّ رمق الأمل. نحن طريقان يسيران كلٌ في اتجاه، فكفكفي دمعك.


-أعلم أنني في مدار هذا اليقين الذي نذرت له نفسي، أدور كقشّة في زوبعة. أنظر إليّ و لو لمرّة لترى ما أفقد التفكير فيك من نضارتي! أ لم تقل لي أن رسولكم قد تزوّج من نصرانية، فلم يحرّمون ذلك الآن؟  هل كفرٌ أن يجمعنا بيتٌ واحد؟


-استغفر الله! يا ابنة الناس يجيز الله ما قد لا يجيزه العباد. ثم إنني أعلم أن أبويك لن يغفرا لك مثلبتك، فلا تقتليهما بعنادك. 


-تقتلني أنت بتسليمك رغم أنني أعرف تمام المعرفة، أنك تحبني كما أ حـ… كما أحبك.


لكن!.. ما جمعته إلفة السنين، في تلك البلدة الغافية على كتف النهر، الهاربة من حياة الصخب، و الغارقة في الفطرة، فرقّته إرادة عاشقين.. هو يريدها بأواصر و ميثاقٍ غليظ، و هي تريده خالصة له، و النار تنهش في الهشيم.  


يكمل نصف دينه، يعود إلى حلقة الذكر، قابضًا على قلبه.


بينما هي هناك ترفل في ثوبها الطويل، كفكفت شعرها المنسدل، ربطت إزارها، و قد نذرت نفسها لخدمة الربّ. 




عن محرر المقال

aarb313@gmail.com

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية