-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

قصة"ظل لم يغادر" / عبد المجيد الخولي . مصر

 قصة"ظل لم يغادر"

عبد المجيد الخولي 

جمهورية مصر العربية



لم تكن عقارب الساعة هي ما يُقلق عصام، بل الفراغ الذي يلي ارتطامها بالزمن. ذلك الصمت اللزج، الذي يهبط على المكان كطبقة خفية من دمٍ لم يجف منذ تلك الليلة؛ ليلةٌ انحرفت فيها عجلات السيارة، واستقرت روحه بعدها في حفرة لا قرار لها.

في شقته الفاخرة، حيث كل شيء مُتقن ومُصقول، كان يعيش بنقصٍ واحد: القدرة على أن يغمض عينيه دون أن ينفتح داخله جرحٌ قديم. لم تُطارده العدالة، ولم تُقيده يدٌ بشرية، لكن شيئاً أشد بأساً كان قد سبقه إلى الداخل، إلى تلك الغرفة التي لا يدخلها سواه.

وقف أمام المرآة، لا ليرى، بل ليتفادى. كان الانعكاس يعرفه جيداً، لكنه بدا كغريبٍ يحفظ ملامحه دون أن يبادله الألفة. تساءل بصمتٍ مُرتجف: كيف يفرّ الإنسان من وجهه حين يتحول إلى شاهدٍ عليه؟ مدّ يده إلى الماء، غسَل جلده، لكن ما تراكم في الداخل ظل عصيّاً على الذوبان. كان التشوّه أعمق من أن يُمحى بقطراتٍ عابرة.

على الجدار، تمدد ظله بشكلٍ مريب، متكسراً كأنه لا يتبع جسده تماماً. بدا ككيانٍ آخر، أثقل، أكثر صمتاً، وأشد يقيناً. كأنه ينتظر لحظة وهنٍ ليقول ما عجز صاحبه عن الاعتراف به.

في الشرفة، حاول أن يلوذ بكتاب، لكن الحروف كانت تخونه. تتفكك، تتشكل، وتعود دائماً إلى وجهٍ واحد… وجه تلك الفتاة. لم تكن ذكرى، بل حضورٌ كامل، يعيد نفسه بإصرارٍ بارد. كان يعيش ما يُسمى مستقبلاً، لكنه في الحقيقة محبوس في لحظةٍ لم تمضِ قط.

الواحدة بعد منتصف الليل… لم تعد وقتاً، بل جرحاً زمنياً. عندها يبدأ كل شيء من جديد، بلا تغيير، بلا رحمة.

حين حاول أن ينام، لم يجد راحة، بل إعادةً قاسية للحدث، كأن الزمن يرفض أن يتحرك. عندها فهم: السجن ليس جدراناً، بل عجزٌ مطلق عن مغادرة لحظة السقوط.

همس بصوتٍ خافت، كمن يفاوض العدم:

"لقد انتهى الأمر… لم يرَني أحد… مضت الأيام."

لكن الصوت الذي عاد إليه لم يكن عزاءً، بل حكماً:

"لم يُعاقبك العالم… ولذلك لن تنجو. أنت الحارس الوحيد لحقيقتك، وهذه أثقل من أن يحملها إنسانٌ دون أن ينكسر."

تراجع قليلاً، كأن المعنى صفعه. أدرك أن ما كان يسميه تبريراً لم يكن سوى هروبٍ مُتقن، وأن ذلك الصوت الذي ينهشه ليس خصماً، بل آخر ما تبقى فيه من حياة.

لم يفتح الباب هذه المرة ليهرب، بل ليغوص. دخل إلى نفسه كما لو كانت غابةً مظلمة، لا بحثاً عن مخرج، بل عن مواجهة. لم يعد يريد النسيان، بل صار يطلب الاعتراف… اعترافاً لا يُقال للآخرين، بل يُنتزع من الأعماق.

وحين انبثق الفجر، لم يتغير شيء في الخارج. الغرفة كما هي، والذكرى حاضرة كما كانت. لكن شيئاً خفياً تبدل. نظر إلى ظله، فلم يعد يرتجف.

لقد فهم أخيراً أن هذا العذاب ليس نهاية، بل إشارة. وأن الألم، مهما كان مُرّاً، قد يكون الطريق الوحيد للعودة… إلى إنسانٍ كاد أن يفقد نفسه تماماً.


عن محرر المقال

aarb313@gmail.com

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية