قراءةٌ نقديّةٌ تحليليةٌ لقصيدةِ
"أنا والصخرة الملعونة"للشاعرِ "جنان السعدي"
بقلم الناقدة : ليلى صليبي
تقومُ قصيدةُ «أنا والصخرة الملعونة» للشاعرِ" جنان السعدي" على استحضارِ الرمزِ الأسطوري المعروفِ بسيزيف، لكنَّ الشاعرَ لا يستدعيه كونُه حكايةً قديمةً، بل يحوّلهُ إلى معادلٍ موضوعي لتجربةٍ إنسانيةٍ معاصرةٍ، حيثُ يُصبحُ حملُ الصخرةِ رمزًا لحملِ الهمِّ الأخلاقي والوطني والإنساني في عالمٍ يزدادُ انحدارًا نحو اللامبالاةِ.
العنوانُ ودلالتُه:
يأتي العنوانُ: «أنا والصخرة الملعونة» بصيغةِ المواجهةِ المباشرةِ بين الأنا والعبءِ. فالصخرةُ ليستْ مجرّدَ ثقلٍ خارجيٍّ ، بل قدرٌ يلازمُ الذاتَ الشاعرةَ، حتى تغدو العلاقةُ بينهما علاقةَ التصاقٍ وجوديٍّ. وإضافةُ صفةِ «الملعونة» تكشفُ منذُ البدءِ عن حالةِ السأمِ والإرهاقِ الناتجةِ عن تكرارِ المحاولةِ وعبثيةِ الواقعِ.
الأنا المثقفةُ ومأساةُ الوعي:
يقولُ:
وأنا أنفخُ في بالوناتٍ مثقوبةٍ
حينَ أصررْتُ على الصراخِ في صحراءِ الأفئدةِ.
يستبدلُ الشاعرُ صورةَ سيزيف التقليديةِ بصورٍ أكثرَ حداثةً وقربًا من الواقعِ؛«فالبالوناتُ المثقوبةُ» رمزٌ للجهودِ المهدورةِ، و«صحراءُ الأفئدةِ» صورةٌ بليغةٌ لقسوةِ التلقي وغيابِ الاستجابةِ. وهنا تتجلى مأساةُ المثقّفِ الذي يدركُ عبثَ المهمةِ لكنّه يواصلُها بدافعٍ أخلاقيٍّ لا بدافعِ الأملِ بالنتائجِ.
نقدُ الواقعِ الجمعي:
يتحوّلُ النصُّ إلى خطابٍ احتجاجيٍّ يفضحُ انكسارَ القيمِ:
لأنَّ أنغامَ القباحةِ استعمرتْ آذانَهم.
فالقباحةُ هنا ليستْ سلوكًا فرديًّا، بل حالةً عامّةً بلغتْ حدَّ «الاستعمارِ»، أي الهيمنةِ الكاملةِ على الوعي والذائقةِ. ومن ثمّ تأتي صورةُ «القطيعِ» لتشيرَ إلى ذوبانِ الفردِ في الجماعةِ وانسياقِه خلفَ الرداءةِ.
استدعاءُ الرموزِ الثوريةِ والشهاديّةِ:
حين يذكرُ الشاعرُ:
جيفارا قتلَه جهلٌ مركّبٌ
فهو لا يتحدّثُ عن شخصيّةٍ تاريخيةٍ بعينِها بقدرِ ما يشيرُ إلى اغتيالِ الفكرِ الثوري والتنويري. ثم ينتقلُ إلى:
رمزِ الشهادةِ الخالدِ
قتلَه نفاقُ القومِ وأعداءُ المبادئِ
فتصبحُ الشهادةُ رمزًا للقيم الكبرى التي لا يسقطُها العدوُّ وحدُه، بل قد يسقطُها أيضًا نفاقُ الدّاخلِ وخيانةُ المبادئِ.
المفارقةُ الساخرةُ:
من أبرزِ جمالياتِ النصِّ اعتمادُه على السخريةِ السوداءِ:
يالغباءِ الغوغاءِ
مطالبٌ تعكر مزاج المعالي.
فهنا تنقلبُ المعاييرُ؛ إذْ تبدو الحقوقُ الأساسيةُ من عملٍ وخدماتٍ وعدالةٍ اجتماعيةٍ مطالبَ «مزعجةً» لأصحابِ السلطةِ. والمفارقةُ تكشفُ حجمَ الهوّةِ بين الحاكمِ والمحكومِ، وبين الواقعِ وما ينبغي أن يكونَ.
صورةُ الأميرِ:
الأميرُ في القصيدةِ ليس شخصًا محدّدًا، بل رمزٌ للسلطةِ المنعزلةِ عن الناسِ. ولذلك تكثرُ الصورُ الحسيةُ المرتبطةُ بالترفِ والملذاتِ:
منْ يتسلقُ السيقانَ المرمريةَ؟
من يقضم تفاحة الوجنتين؟
وهي صورٌ تُرسمُ عالمًا مترفًا يقابلُه عالمُ الجوعِ والفقرِ والصمتِ في الجهةِ الأخرى من المشهدِ.
الخاتمةُ: انتصارُ القيمِ رغمَ الانكسارِ:
تنتهي القصيدةُ بوصيةِ الأبِ:
أبي أوصاني
بالفقراء والحبيبة والوطن
وهذه الخاتمةُ تمثّلُ نقطةَ الارتكازِ الأخلاقيّةِ للنصِّ كلِّه. فعلى الرغمِ من مرارةِ التجربةِ وعبثيةِ الواقعِ، تظلُّ الذاتُ متمسكةً بثلاثيةِ القيمِ الكبرى: الإنسانِ،والحبِّ، والوطنِ. وكأنَّ الشاعرَ يقولُ إنَّ حملَ الصخرةِ لم يكنْ خيارًا عبثيًّا، بل وفاءً لوصيةٍ أخلاقيّةٍ وإنسانيةٍ عميقةٍ.
الخصائصُ الفنيةُ:
* توظيفُ الرمزِ الأسطوري توظيفًا معاصرًا ناجحًا.
* كثافةُ الصورةِ الشعريةِ وثراءُ المجازِ.
* هيمنةُ النبرةِ الاحتجاجيةِ الساخرةِ.
* الانتقالُ السلسُ بين الذاتي والجمعي.
* لغةٌ مباشرةٌ حينًا ورمزيةٌ حينًا آخر بما يخدمُ الفكرةَ والانفعالَ.
* اعتمادُ التكرارِ الندائي: «أيتها الصخرةُ الملعونةُ» ليشكّلَ لازمةً دلاليّةً تعمّقُ الإحساسَ بالعبءِ الوجودي.
وفي المحصّلةِ، تبدو القصيدةُ صرخةَ مثقّفٍ أنهكَه الواقعُ لكنّه لم يتخلَّ عن رسالتِه؛ فالصخرةُ التي يلعنُها هي ذاتُها التي تمنحُه معنى الاستمرارِ، ولذلك يظلُّ يدفعُها صعودًا، وفاءً للفقراءِ والحبيبةِ والوطنِ.
كلُّ الشكرِ والتقديرِ للشاعرِ المبد"عِ جنان السعدي" على هذه القصيدةِ المؤثرةِ التي جعلتْ من الصخرةِ الملعونةِ رمزًا مثقلًا بالدلالاتِ، ومن المواجهةِ معها رحلةً إنسانيةً تتأرجحُ بين الألمِ والتحدي. نصٌّ يتركُ أثرَه في النفسِ بما يحملُه من صدقٍ شعوري وصورٍ موحيةٍ ولغةٍ تنبضُ بالحياةِ. دمتُم مبدعًا، ودامَ قلمُكم منارةً للجمالِ والمعنى.

