تجليات روح
الأديبة أميرة ابراهيم / سورية
عندما حف الموت البارد جسد أبو مروان أحس باضطراب في قلبه وكأنه يدفعه دفعة واحدة نحو الهلاك، حينها تلا على ولده مروان وصيته الأخيرة، بكلمات متقطعة وصوت مليء بالغصات والآهات، تلك الوصية التي غيرت مسار حياة مروان وجعلته مسؤولا عن عائلته، كانت روح والد مروان ترافقه دوما، ترشده، تذكره، وأحيانا تقسو عليه لتقويه، يقضي مروان ساعات وهو يتكلم مع صورة والده المعلقة على الحائط قرب سريره، في يوم من الأيام عاد مروان إلى غرفته كئيبا، أغلق الباب على نفسه وبدأ ينظر إلى صورة والده وهو يتألم، يلجأ إليه ليشاطره همومه ويخفف ألمه، فيسمع روح والده وهي تخاطبه:
(وأنت تجلس في زاويتك واجما، مبعثرا، مرتبكا في يومك السيء هذا، تحاول ترتيب أفكارك لكن عبثا تحاول لملمة ما تبقى من صبر وطاقة، تحاسب نفسك أولا لما آلت إليه روحك، ثم تحاسب من حولك، لم تكن إلا آلة تعمل كل يوم أو كتلة بلا روح، يبتعدون عنك بنظرات قرف واشمئزاز، لم يكن حظك جيدا يوما من الأيام، ما ذنبك إن كنت عامل نظافة ولم تكمل دراستك حينها ؟! آثرت غيرك من إخوتك وضحيت بمستقبلك وتعليمك لتعلمهم وتؤمن لهم حياة كريمة). يضحك مروان بسخرية ويردد (كريمة……؟) .
ينظر نظرة عميقة إلى الصورة، فتتابع روح والده (ربما مرت أيام كنت متصالحا مع ذاتك، مقتنعا بحالك ووضعك، ولكن ماذا جرى فجأة الآن؟ ولماذا كل هذا الوجوم؟ هل أثرت في داخلك نظراتها حين لمحتك وأنت تنظف الشارع وعلامات الاستفهام والتعجب واضحة على وجهها ؟ أحسست بك جيدا وأنت تتمنى لو تنشق الأرض وتبتلعك دفعة واحدة، تبعثرت بما حولك وارتجف جسدك بالكامل، اهتزت روحك بعدما خفق قلبك وخانك هدوءك، تداعت إلى مخيلتك صور قديمة حين كنتما في المرحلة الثانوية ترسمان أحلامكما على ورق وتنثرها في الهواء، وكانت هي من تجمعها في يديك وتضعها في كفيك فيسري دفء كبير تبتسمان معا وتحلقان في عالم العشق و الأمنيات.
ها هي الآن على بعد أمتار قليلة منك ،ولكنك تقول في داخلك: " لو يعود الزمن بنا لسنوات ماضية " فجأة تصحو لتكون أمنيتك أن تكون ميتا قبل هذه اللحظات، أي حظ عاثر مر بك اليوم! وأي تفكير قاس يدور في خلدك ؟
هل كانت نظراتها المندهشة هي من حفرت قلبك؟ هاهي تقترب منك بخطوات هادئة وأنت ترتجف، تنظر بحيرة، تحاول هي أن تقطع الشارع وتمر من بين السيارات لتصل إليك، تقف شارة المرور وتختفي هي وراء شاحنة كبيرة، تجدها فرصة للهرب، نعم.... الهرب، فلست قويا لمواجهتها، للقائها، ماذا كنت ستقول لها؟ وإن سألتك فماذا ستجيب ؟
تنسل من بين المارين وتختفي في زاوية بعيدة بين المحال التجارية تراقب الطريق، تراقبها وهي تبحث عنك بين المارين، تجدها تتلفت يمنة ويسرى، تجد الحيرة والدهشة بعينيها، أي جبان أنت، إلى أين تهرب ؟ لم أعتد منك الهزيمة أبدا.
لم يعد يفيد الهرب فقد رأت حقيقتك وواقعك المؤلم، تسرع إلى مكان عملك ورغم تأنيب مديرك في العمل إلا أن كلماته لم تكن تسمعها، تهز رأسك معلنا الطاعة، تعتذر بكلمات بسيطة، تعود أدراجك إلى البيت، إلى زاويتك المعتادة تندب حظك، يقاطع مروان روح والده فيقول بعصبية: (لماذا ظهرت مجددا في حياتي ألا يكفيها أنها سافرت واختفت بعيدا لسنوات طويلة، ألا يكفيها أنها تجاهلت رسائلي الكثيرة المغسولة بدموعي، ألا يكفيها توسلي لها وتمسكي بها وهي التي اختارت المال بدلا عن الحب والتضحية، تلك التي بعثرت كل الأحلام واستبدلتها بأساور من ذهب وبيوت وسيارات فخمة).
أمسح على رأسك لتهدأ،
وتمسح أنت يابني بنزق قطرات العرق المتساقطة من جبينك، تخفي وجهك المتعب بين كفيك، وتشهق باكيا حد الألم، تخفيه عني وأنا الذي أتألم مثلك أيضا.
في الصباح الباكر تجر قدميك المثقلتين بالتعب، وروحك المنكسرة لتبدأ يوما طويلا مليئا بالإهانة والنظرات القاتلة،وأواظب أنا على بث الصبر في قلبك، تمر الساعات وأنت تعمل بصمت قاتل، صمت لم يعتاده من يعرفك، لم تتفوه بكلمة واحدة ولم ترد على تحيات الصباح من جيرانك، ولم تخاطبني أيضا، كان لابد أن تنهي عملك المخصص لك يوميا، تجد نفسك في نفس الزاوية التي كنت قد لمحتها البارحة، تتساءل هل ستعود ثانيه؟
تهز رأسك نافيا، وبسخرية تقول: ولماذا تعود؟
تمسح عرقك وتسند رأسك على حائط قريب منك فينتشر حولك عطر ياسمين تعرفه، عطر لم تشمه من سنوات، كانت قريبة منك حتى التصق كتفها بكتفك، بصوت خافت مخنوق نطقت كلماتها المتقطعة، كيف حالك ؟ عدت من أسبوع، عدت منكسرة، مطلقة، كان بشعا جدا لدرجة لا تصدق، لم يكن من البشر أبدا، سامحني أرجوك، عدت لأراك وأعتذر منك، تهتز روحك من وقع كلماتها، ترفع يدك مشيرا لها بالتوقف، تتقطع أنفاسك الثائرة، يعلو صدرك من ثوران قلبك، وأتمزق أنا بدلا عنك، صمت قاتل يكسره صوت رنين هاتفك الصغير يخبرك أخاك الأصغر أنه تخرج من كلية الهندسة المدنية، لم تستطع أن تتمالك نفسك من البكاء،ولم أستطع أنا أيضا، الدموع الممزوجة بالفرح والحزن في آن واحد، المختلطة بقهر كبير وأنت تردد الحمد لله، والشكر لك يا الله، تدير ظهرك وتمشي بخطوات واثقه مبتسما متجاهلا كل ما خلفك، تشرق شمس من بين الغيوم، تداعب وجهك نسمات باردة رقيقة.

