-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

لحظة إدراك ... فاضل العذاري/ العراق

 لحظة إدراك

      فاضل العذاري/ العراق




حينما ألقيت ما تبقى من سيجارتي على ممشى الرصيف، رمقني رجل وقور يقف على مقربة مني بنظرة مريبة تحمل مزيجاً غامضاً من العتب والاستهجان، لم أستطع فهم مغزاها بدقة. وفي الواقع، لقد اعتدتُ منذ أمد بعيد على مواجهة التعليقات المتكرّرة التي يبدأ بها البعض حديثهم عندما يرونني أشعل سيجارتي، وعلى السؤال المُعتاد الذي يطرحونه في كل مرة: لماذا تدخن؟ وغالباً ما يكون مصحوباً بتعبيرات وجه متجهمة وإيماءات تدل على الازدراء أو الاستنكار وكأنني ارتكبت ذنباً لا يُغتفر. يراقبون يدي وهي ترفع السيجارة بين أصابعي نحو فمي، وعندما أنزل بها لنفض الرماد في المطفأة، ويتابعون حلقات الدخان وهي تتلاشى في الهواء، حتى الأطفال الصغار أصبحوا يجدون في سيجارتي فرصة للنيل من هيبتي بتكرار التحذير الصحي المكتوب على أغلفة العلب " التدخين مضر بالصحة". وإذا استغرق جلوسي معهم فترة طويلة قد ينظرون إلى المنفضة ويبدأون بإحصاء عدد اعقاب السجائر التي أشعلتها خلال اللقاء. على الرغم من أنني لا أدخن في الأماكن المزدحمة أو ذات التهوية السيئة وأحاول أن أتحاشى إثارة الضيق لمن حولي، ومع ذلك، دائماً ما أجد نفسي في مواجهة تعليقات ساخرة ونصائح غير مرغوب فيها. حملتُ هذه العادة لربع قرن على عاتقي، مجرباً كل أصناف السجائر، من أفخر الأنواع إلى أرخصها. أصبح الدخان الذي يدخل رئتي ويخرج منها جزءً أصيلاً من كياني. كيف يمكن لإنسانٍ أَنْ يتخيل أَنَّ مجرد سؤال بسيط يُطرح حول دوافع التدخينِ قادرٌ على تغيير هذا الكم الهائل من السنوات المهدورة خلال بضع ثوانٍ موجزة؟ ثوانٍ تختزل تفاصيل دقيقة لمراحل طويلة من العمر كانت ملبدة بسحب رمادية، وسراب من دخان مضلل، ومغمورة في دوامة مستمرة من الوهم والضياع.

وفي تلك اللحظة التي نظرت فيها إلى الرجل الواقف بالقرب مني، سرت في داخلي موجة من المشاعر المثقلة بالحياء عندما توقعته سيعظني عن مضار التدخين أو يوبخني لتلويث البيئة أو عدم احترامي للذوق العام في هذا العمر الذي يخجل فيه الإنسان من هفواته الطائشة. انحنى ليلتقط عقب سيجارتي عن الأرض. شعرت بدقات قلبي تتسارع خجلاً لأنه سيرميها في حاوية النفايات ويلقنني درساً في النظافة وكأنني طفل صغير وبدأ عقلي يبحث في يأس عن عذر مقنع يبرر ضعفي فإذا به بَدلاً من توبيخي أو إسداء نصيحة قاسية شرع في وضع السيجارة بين شفتيه وأخذ يجتذب ما تبقى فيها من دخان ليتجرع لذةً مسمومة ونقمةً تحرق جوفه وتستنزف رئتيه في زفراتٍ متقطعة. بذلك الفعل غير المتوقع سقطت هيبته، وبددَ وقاره، وتهاوى بعنفوان كبريائه، وزاد من ثقل مخاوفي الغارقة في مستنقع الإدمان.

استحوذ عليّ القلق من ذلك المصير المرعب، ضربتُ كفاً بكف مستخفاً بذاتي وبما كان يعتريني من هواجس وظنون. ضحكتُ بشكل هستيري كأنني فقدت صوابي حتى بدأت دموعي تتدفق بغزارة وانفجرت في البكاء. اجتاحتني نوبة سعال حادة ألتقط فيها الشهيق بصعوبة شديدة تدفعني نحو هوة الإغماء، كأن لحظات احتضاري قد حانت والحياة تفرّ من بين أصابعي. تملكتني موجة من الندم واللوم على نفسي، لهذا التعلق المَرَضي بالتبغ؛ تلك العادة السيئة التي صرت رهينها، فأصبحت تتحكم في صحتي وتثقل عليّ حياتي. أُصارع اختناقي بحثاً عن نَفَسٍ نقيّ، فكيف لرئتَيَّ السجينتَيْن في قفصي الصدري أن تستردّا نقاءهما الوردي، وقد غشاهما سوادُ الفحم الحالك، وتراكمت في حنايا الصدر سموم التبغ وأدرانُ القطران؟ تمنيت لو أنني أصغيت يوماً لمن قدم لي نصائحه بصدق ومن دون مقابل، أو صدّقت كلمات الأطفال حين حذروا من عواقب هذه العادة. الآن، لم أعد أطمح في هذه الحياة سوى لاستعادة عافيتي، عسى أن أتمكن من قضاء ما تبقى من عمري في راحة وسلام وطمأنينة.

           

عن محرر المقال

aarb313@gmail.com

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية