-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

 عندما يشتري الإنسان الدنيا… ويبيع نفسه

✍️الروائية شيماء السعداوي




ليست كل القصور دليلاً على المجد ولا كل الأرصدة شهادةً على النجاح. فهناك من يعلو في الأرض حتى يظن أن السماء أصبحت سقفاً لمنزلِه .بينما الحقيقة أن كل خطوة يخطوها نحو عرش الدنيا قد تكون خطوةً أخرى نحو هاويةٍ لا تُرى.


بعض الناس لا يجمع المال… بل يجمع الآهات. لا يبني مستقبله… بل يبني منازل من دموع الآخرين. يظن أن الخزائن الممتلئة تطمس صرخات الجياع وأن الموكب الطويل يمحو آثار الأقدام الحافية التي تركها خلفه.


ما قيمة أن تُطعم أبناءك من لقمةٍ اختلط فيها الحلال بالحرام؟ وما قيمة أن تنام على وسادةٍ من حرير بينما هناك أمٌّ تُسكت طفلها بالماء لأنه لم يجد رغيفاً؟ أيُّ انتصارٍ هذا الذي يُقاس بعدد العقارات بينما في الميزان الآخر تُقاس الأرواح بما حملته من عدلٍ ورحمة؟


العجيب أن الظالم لا يسقط فجأة بل يُرفع أولاً. يُفسَح له الطريق وتُفتح له الأبواب وتُصفق له الجموع حتى يظن أن ما هو فيه استحقاقٌ لا استدراج وأن صمْت السماء رضا وأن تأخر العقوبة عجز.


وهنا تبدأ السخرية التي لا يفهمها إلا العقلاء…


يحسب أن الأيام أصبحت موظفةً عنده وأن القدر وقّع معه عقداً دائماً وأن الكرسي خُلق على مقاسه. يوزع الوعود كما يوزع الغنائم ويتحدث عن الوطن وكأنه إرثٌ شخصي وعن الناس وكأنهم أرقامٌ في دفتر الحساب.


ثم…


تأتي لحظةٌ لا يعلن عنها أحد.


لحظةٌ لا تستأذن ولا تحتاج إلى انقلاب ولا إلى مؤامرة ولا إلى تصويت.


لحظةٌ واحدة تكفي ليصبح الاسم الذي كان يُكتب بالذهب خبراً في الهامش ويصبح الهاتف صامتاً والأبواب التي كانت تُفتح قبل الوصول موصدةً في الوجه والوجوه التي كانت تهتف باسمه تبحث عن اسمٍ آخر.


فلا المال بقي حارساً ولا المنصب بقي شفيعاً 

ولا النفوذ استطاع أن يؤجل موعد الحقيقة.


وإذا كانت محكمة الأرض قد تعجز عن إنصاف المظلوم فإن محكمة السماء لا تعرف التقادم ولا تُغلق ملفاتها ولا تُشترى أحكامها.


هناك…


لا يحتاج الفقير إلى محامٍ ولا يختبئ الغني خلف الحصانات ولا تنفع البيانات ولا المؤتمرات ولا الابتسامات المصطنعة أمام الكاميرات.


هناك يقف الجميع على هيئةٍ واحدة…


بلا أوسمة.


بلا مواكب.


بلا حراس.


وبلا كرسي.


هناك لا يسأل القاضي: كم ملكت؟


بل يسأل: كيف ملكت؟


ولا يسأل: كم شيدت؟


بل يسأل: كم هدمت من قلوبٍ لتبني ما بنيت؟


ولعل أعظم مفارقات الدنيا أن بعض الناس يخافون من سقوط مناصبهم أكثر من خوفهم من سقوط أعمالهم.


فيا أيها المتخم بما ليس له…


لا تغتر بطول الموكب فإن أقصر رحلةٍ في الحياة هي المسافة بين الكرسي والقبر.


واعلم أن الله إذا أمهل لم يُهمل وإذا رفع عبداً وهو مقيمٌ على الظلم فقد يكون الارتفاع بداية السقوط لأن أعلى القمم هي أشد الأماكن إيلاماً عند الهوي.


أما المظلوم…


فقد ينام جائعاً لكنه لا ينام خاسراً.


وقد يبكي في الأرض لكنه يوم تُوزن الحقوق سيكون أول من يبتسم


فليس كل من ارتفع قد نجا… فبعض القمم ليست إلا بداية السقوط


✍️شيماء السعداوي 🫆

عن محرر المقال

aarb313@gmail.com

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية