من كل الزوايا
شعر عبد المجيد الخولي
أَقِفُ على الأطلالِ واللَّيلُ شـاهِدُ
وأنا وحيدٌ والحنينُ مُتوقِّدُ
أبكي ديارًا قد مضتْ في غفلةٍ
وتفرّقَ الأحبابُ فيها وبَدَّدوا
كانوا هنا في الضحكاتِ جميعُهم
واليومَ لا صوتٌ ولا حتى صَدَى
تبدّدوا في الريحِ مثلَ سحابةٍ
لم يبقَ إلا الذكرُ في القلبِ المُبْدِد
يا دارُ ماذا قد جرى لترابِكم
حتى محوتِ الأهلَ دونَ تَرَدُّدِ
أينَ الرفاقُ وأينَ ظلُّ مجالسٍ
كانت تُضيءُ الليلَ دونَ تَصَيُّدِ
أمشي على الأشواقِ أحملُ لوعةً
كالسيفِ في صدري يمرُّ ويَصْعَدِ
كلُّ الزوايا قد غدتْ مرآةَ من
رحلوا، وصارَ الفراغُ صوتَ التهَدُّدِ
حتى النجومُ البُعْدُ تبكي مثلَما
أبكي، وتهمسُ: لستَ وحدكَ يا صَدِي
يا ليلُ إنّي قد سئمتُ غيابَهم
فأعِدْ إليَّ ولو خيالَ التجلُّدِ
إنّي أرى في كلِّ ركنٍ صورةً
تمشي، وتُمحى مثلَ طيفٍ مُبْعَدِ
تلكَ الديارُ إذا نطقتْ قالتْ لنا
إنَّ الفِراقَ هو الحقيقةُ في المَدَى
فدعِ الرياحَ تجرُّ ما بقيَ الفتى
فالحزنُ صارَ رفيقَ عمري المُسْنَدِ
إنْ عادَ يومًا من رحيلِ أحبتي
فلن يعودَ القلبُ مثلَ التَّرَدُّدِ
سأظلُّ واقفَ بينَ أطلالِ المنى
حتى يذوبَ الليلُ في صوتِ الصَّدى

