الرسالة الثالثة من رسائل الرماد
إرتقاء عكسي
لست بغيضا للحد الذي تظنه، ولكنني أعاهدك بأنني سأبذل كل ما بوسعي لأكون كما تظن . سأعمل جاهدا على تغيير الصورة ، وصناعة وجه يلائم نظرتك و أشكّل كيانا تتمكن عيناك من استيعابه . سأكون شيئا آخر تريده أنت وقد كنت أرفضه أنا ! ها قد بدأت بأولى الخطوات نحو سلام خارجي وإن كان ثمنه توتر داخلي ! فلقد شرعت بتلويث النقاء ، ولن أتوقف حتى تطلب أنت ، اختلطت الألوان في وجهي وتوحد لون جسدي ، اقتربت من أن أكون شبيها بلا شيء ، اقتربت من الأغلبية بمستوى البعد عن أقلية ملتزمة بالعبث الذي كنا نسميه إلتزام إنساني.
الجميل أن هذا الطريق متاح دون إعتراض ، على جانبيه يحتشد المشجعون، و إنّ بلوغ شريط نهايته سهل المنال على أن كل سالكيه فائزين دون ترتيب ، ذلك لأن الإنحدار متشابه رغم إختلاف طريقة الهبوط ! أولئك الذين إنبطحوا قبل صافرة الإنطلاق يتسافلون جيدا وبسرعة فائقة ، أستشعر السعادة التي بذواتهم من خلال الإبتسامات التي قايضوها مقابل كل أوجاعهم التي خلعوها دفعة واحدة في غرفة تسجيل المشاركين ، وقد وقعوا جميعا على عقد الرحيل إلى اللاشيء دونما عودة ، و فضلوا إعطاء إجازة زمنية للأقدام التي سارت عقودا لإرضاء الغرور وإشباع البطون ، اليوم حان وقت رد الدين ، فلتشبع البطون زحفا ولتجري الصدور عمليات فتح إرادي واقتحام للأقفاص التي احتوت أشياء لم تمكنهم من الحصول على ضحكة فائضة من أنقاض السعداء الأزليين ، أو لحظة شغف قد قفزت من سلال المنتشين الأبديين ! جماعة أخرى، قرروا الذهاب بقفزة عكسية واحدة آملين بالوصول قبل غيرهم ، امتدت الأيدي إلى الأمام وانحنت الأجساد و انطلقت الاقدام كنوابض رشاشات حديثة الصنع، أراهم يهوون كرصاصات تعرف الهدف جيدا رغم أنهم بلا أهداف، لكنهم لم يسبقوا الزاحفين - سواء أكانوا على البطون أو على الظهور ! أشاهد كل هذا و أدونه رغم أنني في وضع هبوط لا اضطراري ، أكتب إليك رسائلي لتطمئن بأنني ذاهب نحو ما تريد ، اتعايش مع الواقع ، أساير العولمة و اخضع لقانونها برحابة صدر لم يمزقه الزحف ولن يتخلى القفص عن أشيائه القديمة ، غير أنني أعد بأن أخفيها ما حييت ، عن الجميع و عنك و عني . بين الحين والآخر هناك صوت في الأفق يزودنا بالأرقام و التفاصيل ، وبعد كل إشعار وإعلان نشعر بارتفاع مناسيب التفاهة واللامبالاة ، فنتأكد بأننا في الإتجاه الصحيح وأننا إقتربنا أكثر. إقتربت أكثر من أن أصبح بغيضا للحد الذي يرضيك ، أنفض الزوائد التي لم تكن تشعرك بالأمان معي بعد أن علقت في ذهني لسنين، سآخذ صورا تذكارية لمشهد انبعاثها وهي تنطلق من كل أجزاء جسدي كشظايا تتناثر في الفضاء تاركة الأهداف آمنة . آخر الأصوات كان قد صدر قبل دقائق ليهنئنا بسلامة الوصول ، ويبارك اختيارنا الرحلة وإلتحاقنا بقافلة السعداء الآمنين - الأحياء بلا هدف بعد أن كنا أهدافا حقيقية يتم التسديد عليها من كل الإتجاهات .
رافع الفرطوسي/ العراق/ 2022

