أنفاق
قصة قصيرة
بقلم : صديقة علي
أشعر كأن يداً تسحبني إلى نفق مياه آسنة، الشمّ واللمس هما الوحيدان القادران على تحديد المكان الذي يحتوي ضعفي؛ فأغرق في الظلام، وأستدعي كل ما قرأته عن ظلام القبور، أقارن؛ لا شيء مشترك، أحاول جاهداً أن أخمّن عمر سجّاني الصّامت، بدت لي الفكرة سخيفة، فما تركته يده من آلام على خاصرتي، كان أولى بالتفكير، أدخل في قشعريرة وهذيان أغيب مجدداً في حلزون النفق.
يُنبئني جوعي أنني حيّ، رائحة التبن الرطب تعطيني إحساساً بالأمان، أنفاس ثور، لا أدري لِمَ ارتسم بمخيلتي أنه ثور، قد يكون خواره الذي لم أسمعه قد دخل في لاوعي، أنفاسه تتحسس وجهي ورائحة روثه الطريّ، أعادت إليَّ الوعي وأنا أتلمّس حجارة ملساء، شيء ٌحيٌّ يدغدغ باطن قدمي المقيّدة، مم يخافون؟ وأنا مرميّ بزريبة رائحتها تنفذ إلى معدتي، يدهمني إقياء مرّ، معركتي مع المكان شغلتني عن مصيري، قناعتي بأنهم أفتوا بجزّ عنقي جعلتني أقرب إلى التسليم بالمصير، يقلقني فقط الطريقة التي ستجري بها الأمور ودرجة سنّ السيف، إنْ كان صدئا أم لامعا كما رأيته في تسجيل فيديو انتشر كالنار بالهشيم على مواقع إلكترونية، كلّ ما كنت أتمناه أن يكون السيف حادّاً قاطعاً، وأن تخلو ساحة الإعدام من آلات التصوير، أخرج مني، أتتبع تفاصيل الرعب التي زلزلتني، تحدق عياني في رقبتي تلمسها نظراتي، أشعر بحكة غير مألوفة فيها، تصطك ركبتاي، ويتقلص فكي، يتبلل سروالي بسخونة حامضية، شعرت كم أنا حقيرٌ، لا أساوي روث ثور بقي يهددني بقرنيه، عذرته فكيف أحتمل أن أشاركه مربطه ومعلفه ولا يعترض؟
راودتني ابتسامة، شكرت القدر الذي أوقعني بحيوان غير لاحم، وخطر لي ماذا لو أنّ الثور مصاب بلوثة الطائفيّة، لكانت قرناه قد سبقتهم إليّ ومزقتني، لم تكتمل ابتسامتي حتى شعرت كأنّه قد قرأ أفكاري، يوغل قرنه في صدغي، أهرب بوجهي للأعلى، أخشى أن يقتلع عينيَّ المعصوبتين من محجريهما، يزداد لهاثه، يرفع رأسي نحو الأعلى، الأعلى تمتط رقبتي لأقصى الخلف، أدفع رأسي بكلّ قوّتي إلى الأسفل، فتُماط العصابة عن عينيّ، وتبقى معلقة على قرنه أو هكذا هيئ لي، أدخلني الظلام حولي برعب الحيرة؛ أفقدت النظر؟ أم أنه لم يعد هناك ما يُرى؟
أدركتُ أنّ أيَّ حركة مني قد تستفزُّه؛ لذلك بقيت هادئا أتتبع أنفاسه، أُسند رأسي على كرشه الوثير الذي يعلو ويهبط بانتظام، دفء غريب تسلل عبر خدّي إلى أعماقي.
احترتُ كيف لم يدخل النور بدخول سجاني، لكن تذكرت أنني كنت في حالة نوم، أو إغماءه، لا أدري ما الفرق، تشوشت الرؤية مع انسحاب مزلاج حديدي صدئ، واندفعت نسمات الفجر إلى رئتي بعذوبة فائقة. أوثقَ يديّ من الأمام هذه المرة بعد أن حرّر رجليّ، خار الثور خلفي كأنّه يودعني، حالَ بيني وسجاني، رمقته بعين كنتُ أظنها دامعة.
هيئته تبدو كأنه خارج للتوّ من التاريخ، جرّني عبر درب ترابية دون أن يكترث لسقوطي، كان يسير ببطء ولا مبالاة، كانت قدماي متشبثتين بالأرض، أدركتُ من قوتهما المفاجئة، ومن خطواتي المتعثرة؛ كم أنا جبان.
كان الدرب حنونا على بطني، أرض ندية من تحتي، أتعفّر بالتراب، أتطهر بندى الأعشاب، رائحة ذكية للعشب المسحول تحتي بددت روائح الزريبة، بدا الطوّلُ مرضياً لي، إذ يسمح بالتقلب بدفعة بسيطة من مرفقي، رأيت الكون يدور حولي، أذكر البهاء الذي غمرني في لحظة مواجهة السماء، حمامات تحلّق فوقي، غيوم مرسومة بعناية، لمحت وجه الله، فندهته، تلَوتُ بداخلي الشهادتين أكثر من مرة، وأنا غير مصدّق ما يحدث، ودخلت بنفق ضبابي أسبح فيه على ندف الغيوم، ملمسها ناعم على الروح. شعاع رماديّ بارد، يُعليني، أقاومُ جسدي كي أستريح على غمامة.
أهبطني من تحليقي نباح كلب أعرفه جيداً، كان ملكاً لجيراني، وطالما زارني ورفيقه حيث أقيم في المدرسة؛ إذاً هي وجهتنا، استنتجت أن حتفي سيكون في ساحتها والكلب ينبح بحزن، بحزن شديد كما لم ينبح من قبل.
. المدرسة النائية محاطة بأعلام سوداء والساحة خالية، بل ثقل الصمت يوحي بخلوها بكاملها، استدعيت بعض الذكريات، تمنَّيت ألّا يشهد الطلاب لحظة إعدامي، لا وقت للتذكر والأماني، كان باب غرفتي مُشرعاً ودراجة نارية قد سدَّته، طال الوقت وأنا راكع أمامها بانتظار القاضي أو السياف، هكذا خمنت، أقصى ما كنت أتمناه أن يُسمح لي بالنوم في سريري المنتهك، ولو لنصف ساعة، عاودني الجوع، تجرأت وطلبت أيَّ شيء، ممَّ أخاف؟ أخرج من جيبه قطعة بسكويت جافة، كنا نوزعها على الطلاب آن تصلنا المعونات الأمميّة، مدّها باتجاه شفتي وراح ينوس يده يميناً ويساراً، وأتبعها بذلّ، وبخطف التقطتْها شفتاي، التهمتها بنهم جاف زاد من عطشي، أجرى السجّان مكالمة بما يشبه الهمس، ثم غادرني بسرعة خاطفة.
طال انتظاري له، بتّ أشتهي عودته لأخلص من مرارة حلّت بجسدي كلّه، زحفت على ركبتيّ ومرفقيّ، آلام مبرحة هيّجها الحصى وهو ينكأ جروحي، سكون أشدّ وطأة على النفس منها، لكنّه أعطاني أملاً بأنّ تأجيلاً قد تمّ، ومنحني بضع ساعات في هذه الحياة، كي أتذوق أوجاع ظهري الجديدة، ثقل الدراجة يضغط آلامي على العتبة، رأسي داخل الغرفة، جِلتُ ببصري كلّ المكان، كان أثاثه مرتعا للغبار، كتبي ممزقة والكتاب المقدس على وسادتي باق على حاله كما تركته. ثيابي مبعثرة والصور مرميّة وعلامات أقدامهم مطبوعة عليها وعلى كل شيء.
زاغ نظري، تلاشت أوجاعي، ودخلت بنفق من نوع آخر، أسبح بضوء لولبي، يمتط جسدي ليصبح خيط نور يتسابق بدورانه مع حلقات تتسع نحو الأعلى، تهمس لي: جاء مريحاً... جاء مريحاً، وقبيل وصولي إلى فضاء ذهبي موشّى بالزّرقة، سحبني صوت من متعة انعدام كل شيء إلا النور، الصوت مزعج وليس غريباً عنيّ، استيقظت نادماً، متحسراً على عالم لذيذ تركته، إلى رعب موت يهددني.
لا أدري متى ومن أين هبط عليّ، كان وجهه الأحبّ إلى قلبي منذ وصولي إلى القرية، كنت أنتظر تلعثمه وهو يصبّح على (بطنجرة) من الحليب الساخن، وكنت قد وعدته أن أصحبه معي إلى مدينتي التي أحدثه عنها، وهو يصغي بعينيه الجميلتين. أقول له: لو يرزقني الله طفلاً جميلاً مثلك، فيضحك ببراءة وحياء ساحر.
باتت رائحة الحليب تربطني بوجهه حتى وأنا بين أهلي:
- تجربة (بافلوف)، وكانت زوجتي تضحك، زوجتي؛ كيف نسيتها؟ أم أجدني أُبعد الأحبة عن ذاكرتي كيلا أرى دموعهم؟ لكزاته تؤلمني، صوت غائم عاود إنهاضي.
انحنى الفتى فوقي يحلّ وثاقي ووجهه قريب، قريب جدا من وجهي، تشبعت برائحة الحليب العابقة منه، التي حررت غرائز لعابي، شدّ أنفه للأعلى وقلّص وجهه باشمئزاز، اتقاء لرائحتي، أم استجماعاً لعزيمته؟ لا أدري، كم أنا تافه بتساؤلاتي وأنا أقترب من حتفي، تساءلت متى خطَّت ذقنه شعيرات متفرقة؟ هل يعقل أنه قد كبر ببضعة أيام؟ وهل حقا هي بضعة أيام؟ لا أعرف، لِمَ لم أفكر بالزمن من قبل؟ بدا لي كلبه مهتاجاً وقد أوقف نباحه الحزين، وهو يتنقل من قدمي إلى رأسي يدور حولي، كانت شفتاي تحاولان قول شيء، أن تسألا عنهم، بصوت مخشوشن وبثقة ودون تلعثم راح يكرر: أستاذي بسرعة قُم... بسرعة قُم... لقد فرّوا وأخلوا القرية.
صديقة علي /اللاذقية / 12-1-2021

