-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

أ. محسن الطوخي و قراءة نقدية لقصة "تحذير برائحة الدم" لـ منصور عامر

الأديب والناقد أ. محسن الطوخي:

  قراءة نقدية لقصة "تحذير برائحة الدم" لـ منصور عامر


 

نظرة عامة:

تعتمد التيمة على قضية صناعة التسول.

التسول آفة اجتماعية، تفضح إخفاق المجتمعات في حماية مواطنيها من الفقر، لكنه جريمة اخلاقية عندما يتحول إلى شكل مؤسسي ممنهج يديره بلطجي ( سيدنا )، يتخذ معاونين أو شركاء ( العرجاء )، يسيطر بهم على طائفة من الصبية المشردين، ويوظفهم بالرعب في مهنة التسول على ابواب المساجد، وفي الأسواق، والمقاهي. وهي تيمة تبدو في ظاهرها معادة، ومكررة، أشار إلى ذلك بعض الأصدقاء، أبرزهم أستاذتنا صديقة التي ذكرتنا برائعة نجيب محفوظ زقاق المدق وشخصيته الخالدة " زيطة " صانع العاهات.

غير أن الكاتب اجتهد في توظيف التيمة ليعالج من خلالها قضية أكثر شمولية، وهي العلاقة الجدلية بين السيد والعبد.

والسيادة، والعبودية حالتان من حالات وعي الذات بنفسها، فالسيد يعد نفسه صاحب الوجود المستقل. بينما يهبط العبد إلى مستوى الشيء. والصراع بينهما حتمي. ( على مسؤولية هيجل ). يعتمد فيه السيد على تدمير استقلالية الذات الأخرى ( العبد )، من خلال قهرها، ثم جعلها تعتمد عليه بالكامل. في حين يستسلم العبد متحينا فرصة مواتية ليقلب الطاولة على السيد

وقد ترجمت القصة تلك الجدلية من خلال الصراع ( الموؤود ) الذي دار بين البلطجي ومعاونته العرجاء من ناحية، وبين فريق التسول من الصبية من ناحية اخرى، إلا أنه يمكن إسقاط التيمة على كل مظهر من مظاهر العلاقات غير المتوازنة، والتي تقوم على القهر ومحو ذات الآخر. كالاسترقاق، والهيمنة الذكورية، والاستعمار، والاستبداد..إلخ.

محاور الحبكة:

- الطاغية، والقطيع

سيدنا وفريق الصبية المتسولين.

" ذبح القطة ".. حكاية فلكلورية شهيرة، انتقلت من خصوصية ترويض القرد، إلى عمومية استخدام العنف لمحو الذات المنافسة. والظن بأن الأطرش صار مستهدفا لبطش سيدنا نظرا لإخفاقه الشخصي في تحقيق ( التارجت )، ظن يجانبه الصواب. الأطرش عنصر هام من عناصر اللعبة، لولم يوجد، لاخترعه السيد. فهو يمثل ( القطة ) التي يجب أن يذبحها لصبيته من حين لحين علي سبيل التذكير، والتوعية. وبوسعنا ان نتخيل المسكوت عنه في السرد، فنتخيل السيد والعرجاء يتآمران بليل على البطش بالأطرش، واغتياله، لترويض المجموع، إمعانا في كسر ذواتهم من ناحية، ولحثهم على زيادة الإيرادات من ناحية أخرى. فهل يعدم خيال القارىء تطبيقات من واقع الحياة تؤكد شيوع مثل تلك الممارسات على مستوى الأسرة، والشارع، وحتى على المستوى الإقليمي والدولي.

- الطاغية، والثائر

سيدنا، والأطرش. ربما كانت ضعف حصيلة الأطرش مظهر من مظاهر الاعتراض السلبي، على نهج العمال الذين يعرقلون عجلة الانتاج بالإهمال المتعمد كشكل من أشكال معاقبة صاحب العمل البخيل، والانتفاضة المفاجئة أتت عفوية غير مخطط لها، كتعبير عن تخطي حاجز القدرة على الاحتمال، لذلك جاءت مبتورة غير مكتملة. تحتاج الجماعة لكي تغير واقعها إلى تأهيل تراكمي يضمن تنامي الحدث بعد الشرارة المحركة. أما الهبات الفورية العاطفية، فلا تلبث أن تخبو عندما يلوح الخطر. فهل بدت ردة فعل المتسولين مقبولة دراميا وفق التصاعد المنطقي للتيمة؟.. الإجابة من وجهة نظري بالنفي. فلقد بدا المشهد بأكمله مصنوعا ليؤكد فكرة يرغب الكاتب في تسويقها. وهو مايناسب المسرح.

في حين أن تطور الأحداث في القصة القصيرة يجب أن ينبع من إرادة الشخصية. وعلى الكاتب أن يمنح الشخصية مقومات القدرة على الفعل. ومع ذلك فالمشهد قد أدى دوره في سبيل تأكيد الفكرة المحورية، وهي أن الضغط يولد الانفجار. وأن الثورة تنتقل بالعدوى.

_ الثائر، والقطيع.

الأطرش، وفريق المتسولين

قدر الثائر أن يترك وحيدا.. ليس أدل على صحة المقولة من استشهاد الحسين. والتاريخ حافل بمثل تلك الخيانات على تعدد دوافعها. قيل أن الراعي الذي وشى بجيفارا قد برر أسباب وشايته قائلا: لقد كان الجنود الذين يأتون للبحث عنه يزعجون خرافي. الخاتمة إذن منطقية، وتتفق مع الطبيعة البشرية. فنكوص المتسولين عن نجدة زميلهم منطقي بدافع الحفاظ على مصالحهم التي تتلخص في المأوي، والمخدر، ومآرب أخرى.

( ٣ )

الخلاصة:

- طرح الكاتب قضيتين لا نعدم ارتباطا بينهما. قضية صناعة التسول ، وقضية المستبد الذي يضع سلطته على المحك بالافراط في استخدام العنف.

القضية الأولى توفر الجماعة البشرية المقهورة، وتضعنا الثانية على أعتاب الحراك الجدلي بين السيد والعبد. لكن لأن التيمة أكبر، وأوسع مما تحتمله القصة القصيرة بقالبها المحدود فقد خلت القصة من معالجة موضوعية لأي من القضيتين.

وهذا ماعنيته بالصراع الموؤود، حيث تركت التجربة القصصية منقوصة، كأنها نصف تجربة. فقد اغتيلت التجربة القصصية عندما اكتفى الكاتب باستعراض الفصل الاول من الصراع، حيث الذات المغتالة لازالت ترزح تحت نير طغيان سيدنا. فعصبة المتسولين إنما نشأت بداية - وبالضرورة - بنفس أساليب تحطيم الذات، ونفيها. والمشهد الذي اقتصرت عليه الحكاية يبدو وكأنه يضعنا على مفصل متكرر كحبات العقد. لكن طبيعة الأمور، وجدلية الصراع تحتم على العقد أن ينفرط. وهو الأمر الذي تجاهلته الحبكة فقصرت - في ظني - عن بلوغ الغاية. الحبكة المكتملة لابد ان تنتج حالة من الإشباع الفني للقارىء. ونصف وجبة لا تحقق الإشباع.

تتبقى الإشارة إلى شخصية ذات دور محوري غاية في الأهمية وهي شخصية العرجاء. لقد بدت على أهميتها باهتة للدرجة التي يمكن معها إسقاطها من النص دون أي خسارة. وترجع أهميتها إلى أنها تستكمل للسيد عناصر سيطرته وهيمنته على العصابة. وهي تمثل في الواقع سدنة الطاغية، وأبواقه الإعلامية التي تبرر، وتعد، وترهب. وأظن أن الكاتب لم ينجح في توظيفها لتؤدي هذا الدور فبدت زائدة لا دور لها.

والحقيقة التي لا يمكن إغفالها هي أن اللغة، والصياغة لم يواكبا مهارة السرد. ولقد اورد الأصدقاء الكثير من الشواهد على قصور اللغة، والسرد. كالتكرار، وتأخير الفعل بلا ضرورة، والصياغات القاصرة... الخ.

ومع ذلك فأهنىء الكاتب الصديق على القصة التي رغم جودتها، فهي ليست أفضل ماكتب، فله منشورات سابقة اعتمدت حبكات افضل، وإن كانت كلها تشترك في نفس ملاحظات السرد واللغة.

كل التحية لهذا الإبداع الذي وفر تلك الفرصة للمدارسة والمشاركة الفعالة. وكل التحية والتقدير للأستاذة القديرة منال خطاب على هذا العرس الشهري، ولكل فريق واحة القصة القصيرة على الجهد الجماعي المفرح الذي يواصلون به العطاء، والتميز.

محسن الطوخي

************************************************************

القصة

تحذير برائحة الدم

اتّكأ على كتف طفل صغير، أمامه اصطفّوا في تواز، تختلف أعمارهم و أطوالهم و بنيتهم الجسدية، الأهم تشابههم في وسخ الملابس و شعث الشعر و أن يعتلي رقابهم القشف، هكذا يوصي( العرجاء) كل صباح( لا أريد رؤية أي مظهر للنظافة على أجسادهم و لا ملابسهم يا عرجاء)

أمعن النظر، يمسح بعينه وجوههم التعيسة، يحاول أن يقرر في قرارة نفسه من منهم سيتخذ إشارة المرور اليوم مستقرّاً، و من سيتمركز عند باب المسجد الكبير، أما مقاهي البلدة تحتاج إلى أولاد معجونة بماء عفاريت، لسانهم حلو و كلماتهم معسولة.

قطع انغماسه الشديد في فحصهم عدم وجود (الأطرش)"أين هو؟ " تسائل هامساً، تجوّل بينهم يبحث عنه، بريق عينه ازداد و اندثرت شرارة نظرته، للفضول تحولت، توقف و استدار، تجاه العرجاء نظر، التي اعتلى وجهها الإصفرار عندما صرخ فيها يتساءل عن مكان ( الأطرش)، تململت في وقفتها، تلجلجت و هي تجيبه:

_ مريض يا سيدنا، صريع الفراش منذ عاقبته أمس

اتسع محجر عينه و شخر شخرة مدوية، انتفض لها جسد (العرجاء)؛ تدرك تبعات غضبه الجمّ، الذي حَلَّ أول ما حَلَّ على كتف الصبي الذي اتخذه متّكأً، اعتصر كتفه فصرخ:

_ عندما أقف هنا لا يغيب كلب منكم و لو كان كومة عظام.

قالها ثم أشار بيده لرهط من الواقفين:

_احضروا (ابن الهرمة) هذا من الداخل

أمرهم بذلك، فاختفوا في وهلة، للداخل اتجهوا.

بعد لحظات، كان متداخل الملامح، يحاول بيده إخفاء وجهه الباكي عندما حملوه و ألقوه أمام( سيدنا)، الذي قابله بركلة و بصقة تبعتها سلسلة من الشتائم الفاحشة:

_ سأجعلك عبرة يا كلب يا ابن الكلاب

قالها ثم وجه حديثه للواقفين:

_يجب أن تعلموا أن مصيبة الأطرش مصيبة كبيرة

جملة ما إن قالها حتى اكتست الأرجاء بسكون تام، أخبرهم أن ( الأطرش) أقلَّهم تحصيلا للأموال كل يوم، رغم محاولاته المستمرة معه بكل الطرق، وضعه في كل الأماكن المختلفة، المسجد، عند الإشارة، حتى في المقاهي، و في كل مرة يأتي بأقل من نصف تحصيل أصغرهم.

صمت برهة و أكمل بعد ما أشار لظهر( الأطرش) العاري:

_ كل يوم أعاقبه حتى ذاب جلد ظهره

قاله و أمر العرجاء بتسخين سيخ معدني، الذي وضعه فوق بطن( الأطرش) بعد لحظات.

بقوة رجت الأرجاء صرخ، تشنج جسده، نبش بأصابعه تراب الأرض، كلما علت صرخاته زاد ( سيدنا) في ضغطه، يصرخ هو و يزيد الآخر و هكذا حتى انفجر في وجهه و بصق، نظر حينها سيدنا في وجه الآخرين، كيف يجرؤ أحدهم على البصق في وجهه! رأى الدهشة في عيونهم، الجرأة لأول مرة تجلت في نظراتهم! اقتربوا في دائرة حولهم-هو و الأطرش- كاسرين القاعدة التي وضعها منذ اليوم الأول(لا يتحرك أحد مهما حدث من مكانه إلا بأمري) لكن لا قاعدة الآن، حتى العرجاء مالت بظهرها تتفحص وجهه المبلل، لأول مرة يشعر بالخطر، بالخوف الدفين من التمرد، كَسْر هيبته.

رفع القطعة المعدنية و بشدة غرسها في بطنه، تغيرت الأجواء؛ شهقاتهم تشابكت، عويل العرجاء زاد نفوسهم رهبة و ارتياباً و أعاد لنفس( سيدنا ) الطمأنينية. أخذ في طعنه مرة بعد مرة، يطعن و يحرك القطعة المعدنية على طول بطنه.

لحظات و عاد المشهد كما كان من قبل، اصطفوا مرة أخرى أمامه في سكون أكثر، بجواره العرجاء وجهها شاخِص في تراب الأرض يكاد يسمع طقطقة أسنانها، و على الأرض الأطرش ممدّد، كان وسط بركة من الدماء.

أما (سيدنا) مستنداً على كتف الصغير وقف، في نشوة ابتسم، وزع الأماكن، ذلك عند الإشارة و هذا أمام المسجد و هؤلاء في المقاهي، ثم أمرهم بالانصراف، دون تفكير تحرك الجميع، لحظة و أصبحوا كالأصنام كلاً في موضعه عندما استوقفهم صوته الجاهوري محذراً:

_ الويل كل الويل لمن سيصبح أطرش جديداً!

عند عودتكم آخر اليوم.

/ منصور عامر

عن محرر المقال

صديقة علي

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية