-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

الطموح وأحلام اليقظة قاتل خفي.. قراءة بقلم:أ. محمد البنا لنص * ذرة ملح * لـ صديقة علي

 الطموح وأحلام اليقظة..قاتل خفي

قراءة بقلم / محمد البنا
لنص * ذرة ملح *
للقاصة السورية المبدعة/ صديقة علي



ذرَّةُ ملحٍ...
لطالما سحرتني الشاشة الفضية، هذا البهاء في العتمة، والإضاءة التي تكشف بريق العيون، تلك الرهبة بالصوت، والجمال بنجوم السينما، حتى الرائحة الرطبة التي تتنسم مع الإشعاع البهي، تنفصل عمَّن حولك وعن ضوء النهار.
لم يخطر ببالي أن وجهي سيحتلّ الشاشة يوما، فوجئت باختيار المخرج الذي وقع عليَّ، لتمثيل دور قصير في فيلم، أحلم بأن يكون دور البطولة، قرأتُ الغيرة والاستنكار في عيونهنَّ، شعرت بنشوة انتصار، لاسيما أنني لا أملك مقومات الممثلة، لكني اعتبرتها ضربة حظ، وحلقتْ طموحاتي، قد أصبح فاتن حمامة.
أدور أمام المرآة وأواسي نفسي؛ مدرب خاص وبرنامج غذائي، ومع الرياضة قد أصبح برشاقة وشهرة سلمى المصري،لم تترك أمي صديقة أو جارة، إلا ودعتها لمشاهدة الفيلم الذي ستظهر فيه ابنتها، إحدى جاراتنا عبّرت بطريقة مريبة: (وما عليه، وجهها كالبدر لِمَ لا يختارونها؟)، أبي اعترض؛ لكن أمام فرحتي بالتمثيل تراجع وفي عينيه نظرة تردّد وقلق، وتمنيت له أن يحضر العرض الأول؛ لكنه رفض.
سألت أمي: هل أدعو زميلاتي؟، بحماس شديد، أجابت:
- طبعا، ذرّي الملح في عيونهنَّ.
دعوتُهنَّ تشفِّيا بهنَّ؛ وحضرنَ على مضض.
بصعوبة أجلس على مقعدي في أول صفّ، وأغرق بضجيج قلبي، وأنا أنتظر وجهي أن يحتلّ الشاشة، مضى معظم الفيلم كقطار يمشي على أعصابي، لم أستطع متابعة أحداثه بدقة؛ فلهفة انتظاري طغت على كل وعي لديَّ؛ لكني التقطت فكرته، وآهٍ، كم تُلامس وجداني! ولولا أنني بانتظار ظهوري، لبكيت، وبكيت، كان كل شيء مائعا، السيولة عنوان المشهد، وجوه كالشمع المذاب، وأحجار باتت كالطين المنجرف بعصف طوفان، الساعات المعلقة على الجسور تقاطرت عقاربها كخيوط جبن في فرن حامٍ، كل شيء يشي بالحرارة إلّا الصقيع في مفاصلي، لا حرارة تخرجه، بل ارتجافه يضجّ في أذني؛ وأخيرا ظهرتُ والكاميرا تلاحقني، تمسح كثبان وتلال وانخماصات جسدي المرتجّ بخطواتي المتسارعة، وأدركتُ لحظتها لِمَ أعاد المخرج تصوير المشهد مرات عدة، يحثّني على السير في طريق خالٍ من البشر، مُحاط بالأشجار، وتابعتْ عيناي المعلقتان على الشاشة بحثهما عنّي، ولم يظهر وجهي البدر، وقلبي يتسارع نبضه كطبول الحرب، يضرب في رأسي...
ظهرتْ لي فتاتان تراقبانني من خلف جذع شجرة و تضحكان، ثم تكملان حديثهما عن الموضة والأزياء، ويلحق بي شابّ يمضغ علكة ويتمتم بكلام لم أسمعه، كل ما سمعته قهقهات شرخت العتمة وقلبي، آه، لو أصير ذرة ملح ملقاة على رصيف ليل ممطر!.
صديقة علي 6/2022
............
القراءة
وكما لذرات الملح دلالات متنوعة كما وظفتها المبدعة / صديقة علي، فللنص أيضا تخريجات متعددة تحكمها وتحدد مسارها زاوية الرؤية ومستوى التلقي الذهني، فهل ينطبق على هذا النص تعدد الرؤى؟، أم أن له مدخل واحد هو ظاهره؟ أم يندرج تحت مقولة أحد ممنهجي ما بعد الحداثة السردية ( الحقيقة عائمة )؟
بالعودة لمقولة رولان بارت والتي أسس عليها نظريته الحداثية ( البنيوية ) إذ يقول " النص عنصر مستقل قائم بذاته، غير متأثر بمحيطه من تاريخ او سياسة أو دين أو أو.." نجد أن القاصة خالفت النظرية البنيوية بذكرها علمين " فاتن حمامة/ سلمى المصري" ولكن لشهرتهما العربية ذائعة الصيت، فالأولى سيدة الشاشة العربية، والثانية من اشهر ممثلات سوريا وتميزت برشاقة ودلال خطواتها، ولكون النص حوى بين دفتيه ما يشي بطبيعة هاتين الشخصتين إفصاحًا ( قد أصبح فاتن حمامة) وتلميحًا ( برشاقة سلمى لمصري/ جسدي المرتج بخطوات متسارعة)، لذا فالمخالفة لا محل لها، وإن كانت فلا ضير كما أبنا، ومما سبق وقلناه، وما سنقوله لاحقًا؛ أننا أمام نص ينتمي للمدرسة الحداثية حصريا، وإن بدا تقليديا في ظاهره ( بداية، عقدة/ ذروة، خاتمة)، وليس على المبدع بحال أن يعلم نوعية ما أبدعه- إلا فيما ندر- إلى أي مدرسة سردية ينتمي، ولكن هذا منوطٌ به لقلم الناقد حصريا، وفي رأيي الشخصي كناقد متابع عن كثب أطروحات القاصة منذ اربع سنوات ونيف، يجوز لي أن أقول، أن اقاصيصها بدءًا من ( فجر الطين) قد انتهجت وانتمت بجدارة لمدرسة الواقعية الحداثية وليس الواقعية التقليدية ( الكلاسيكية) كما في بداياتها واذكر منها قصة ( لست قاتلة).
قصة " ذرة ملح " اعتمدت القاصة على المشهدية التصويرية والقدرة على تحريك الجموع باقتدار وسلاسة( البطلة / الأم / المخرج / الصديقات / الكومبارس / الجارة/../..) شخوص كثر حفل بهم متن النص ( قصة قصيرة) دونما عوار ملحوظ، أو وقفة تساؤل اعتراضية، فكيف نجحت القاصة في ذلك؟..هذا هو السؤال الأهم، إذا أننا عادة كأساتذة ونقاد لهذا هذا النوع -القص القصير- من الفن السردي دائمًا ما نحرص على توجيه النشء إلى الإقلال من شخوص أقصوصته.
والأجابة على هذا السؤال ببساطة هو أننا أمام قاصة محترفة أجادت مسك خيط اقصوصتها ولم تفلته للحظة من يدها، إذ بأرت المتن حول شخصيته الرئيس كشجرة سامقة شامخة شموخ النص، تدلت منها أغصانها، سبق لي وفعلت هذا في نصيّ ( ذات، من ثقب إبرة)
نصٌ أجادت فيه الكاتبة كما سبق وذكرنا التصوير المشهدي بريشة يراع، ليس هذا فقط بل ضفرت مشهديتها بديناميكية ناطقة مرئية ومحسوسة ومسموعة أيضا ( جمل حوارية)، وما أكتفت بل أضفت إليه - كعادتها- بهارات أدبية تنفرد بها خاصة دون غيرها من أديبات عصرنا، ألا وهى الدموع النازفة في صمت، وإن كانت في نصها هذا دموعًا خفية تحس ولا ترى، في لحظة احباطها الأخيرة مع خاتمة المشهد المظلم فأشرقته إظلاما فوق إظلام..هذه هى صديقة علي...ذرات ملح اوصت بها الأم بنثرها في عيون الحاسدين لدرأ شرور أعينهم، أنهتها القاصة بذرة ملح واحدة ذابت في دموعها المخفية، او تمن أن تذاب هى وتختفي عن أعين شامتيها، كما تذوب الذرة في قطرة ماء.
نصٌ يشير بقوة إلى خطورة أحلام اليقظة إن تجاوزت طموحاتها إلى مالا في المنظور تحقيقه، فتغرقنا في مستنقع وهم، قد لا نستطيع أن نغادره ابدا، وإن غادرناه متأخرين؛ تحطمت آمالنا وامتطانا اليأس ومضى بنا إلى سابع ارض حيث لا قيامة لنا بعدها ولا بعث.
محمد البنا...القاهرة في ٢٩ سبتمبر ٢٠٢٢

عن محرر المقال

صديقة علي

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية