سهيلة حماد:
قراءة بعنوان: الرمز في قصة المخلص للقاص المصري الدكتور خالد العجماوي
العنوان: المخلص
جاء العنوان خبرا على شكل اسم فاعل معرف، حتى يأخذ المخلص بعدا كونيا..
الاستهلال:
" هذا ملاك. قالها الكاهن الأكبر أمام القرية كلها وهو يرفعني بكلتا يديه أمام الناس أثناء الاحتفال بمولدي. كان احتفالا ضخما. تحلقت حولي النساء تهللن ، كما تجمع الرجال، وقد علت على وجوههم سيمات الاستبشار" من خلال هذه المقدمة، أدخلنا القاص خالد العجماوي مباشرة في صلب حدث فانتازي، موفرا على نفسه الإسهاب الذي لا تتحمله القصة القصيرة، مغريا بذلك القارئ، معلنا عن منعرج جديد وتحول في القرية، بعد ظهور البطل الرئيسي محور الحكي، والماسك بزمام السرد -الأنا ضمير المتكلم- رافعا الالتباس عن العنوان، راسما ملامح البيئة والجمهور موحيا بصراع وبعقدة.
الرمز:
كما قام الكاتب بانتخاب عدد من الرموز بقصد الإيحاء، حتى يشحن ذهن القارئ بالصور، كي يمنحه فرصة التفاعل الجدلي بعد التأمل في أفعال شخوص القصة القصيرة ونعني بذلك جمهور القرية المتكون من الكاهن الأكبر رمز السلطة الدينية المتحكم الرئيسي هنا في توجيه الرأي العام والخاص لأهالي القرية، المتحكم في نوعية الخطاب الذي تستوجبه المرحلة التاريخية كما صورها السارد في زمن الحكي، فالكاهن الأكبر من خلال قوله وفعله وتجمهر الكل حوله، بدا لنا متقنا لفن الخطابة وتحريك مشاعر الجمهور بالعزف على وتر تفعيل الحلم لديهم الذي ينبئ بقرب الخلاص على يد الطفل المختلف صاحب الإبهام، وقد تيسر للكاهن الأكبر ذلك عن طريق استقطاب جميع أهالي القرية، وذلك بزرع "بريق الأمل في المستقبل" في أعينهم ليحصد "سيمات الاستبشار لديهم" فبدا لنا حاذقا لفن الاتصال، وعارفا بسايكولوجية الجمهور مفعلا خطابا جامعا يطمئن به مجتمع القرية بجنسيه -نساء ورجالا- غارسا بذرة القيادة لدى السارد البطل المحوري، منذ لحظة الاحتفال بمولد السارد وحركة رفعه من قبل الكاهن الأكبر، نافخا بذلك في الشخوص الروح من خلال تصويره للحركة وللانفعال، هذا وقد ركز زوم عدسته على الاختلاف المتمثل في ولادة السارد بإبهام، وفي هذا رمز ودلالة على كمال السارد وتميزه، فبواسطة الابهام تيسرت له عملية مسك القلم و مقبض السيف فهذا الأخير لن ينفلت من يده في المستقبل أبدا.. مما سيحسن عملية الآداء لديه مقارنة بأهل القرية، التي "كانت أصابعهم الأربعة تلتف على القلم كخنجر"
نلاحظ حسب السياق أن مجيئ السارد إلى هذه الحياة كمخلص كان مرتقبا منذ ثلاث سنين، فبمجرد إعلان الكاهن الأكبر عن النبإ، منح جمهور القرية -الناقص سهل الانقياد- جرعة من التفاؤل، لذلك سارع هذا الأخير ونقصد جمهور القرية بالتوجه إلى السماء، خاضعا متضرعا حامدا شاكرا معلقا على المولود الحديث آمالا كبيرة، إذ بفضل كفه مكتمل البناء، الذي يحتوي على خمسة أصابع سيتقن كل فعل على حسب زعمهم ومعتقدهم الذي زكاه الكاهن الأكبر وباركه، وقد كرر الأب على مسامع ابنه الطفل كل ليلة الجملة التالية: "على أطراف أصابعك تتعلق آمال القرية وأمجادها" ليرسخ لدى ابنه فكرة أنه المخلص، داعما إياها بترداد "أنت مبارك من الرب" ليبث لديه الحماس، هذا الموقف آزره الأحبار، الشيء الذي قوى لدى الطفل إيمانه بذاته إلى غاية أن استعادت القرية بالفعل مجدها وهيبتها على يديه. هذه النتيجة تذكرنا بصلاح الدين الأيوبي وما غرسته أمه فيه من حماس، حتى استطاع استرجاع بيت المقدس، بعد أن احتلها الصليبيون.
فالطفل بطل القصة منذ نعومة أظفاره وبلوغه سن الخامسة أوكلت له مهمة كتابة تاريخ القرية بما في معنى كتابة التاريخ من دلالة تشير إلى خضوع المؤرخ لضغوطات الآمر غير الموضوعية، كما نسخ كتاب الصلوات ملبيا بذلك أمر الكاهن الأكبر المتحكم في الكل.. فعملية النسخ هي الأخرى أيقونة دلالية تشير إلى الامتثال ونقل حرفا بحرف من دون إعمال عقل..
من خلال رصد السارد لسلوك وانفعال الكل، نرى القاص منح قارئه فرصة الوقوف والتأمل عند كل وصف لهضم سايكولوجية الجمهور.. التي تذكرنا بكتاب سيكولوجية الجماهير لغوستاف لو بون Gustave le Bon.
كما قام بتحيين الشغف والإثارة عبر فضول القارئ من خلال حبكة، راع فيها القاص فن القص والتشويق، عبر تقسيم موضوعه تقسيما موضوعيا، احترم فيه تدرج القص الكلاسيكي من الاستهلال إلى الخاتمة، مراعيا ربط السبب بالنتيجة، حتى يكسب ثقة القارئ، لحمله على تصديقه خالقا أزمة مركبة، أنتجت صراعا داخليا ناجما عن عجز البطل في غرس أرضه، فانطفات بذلك جذوة الرغبة لديه كما لدى حريمه، ما انجر عنه زعزعة احترامهن له لفشله في تحقيق المهمة الأقدس على حسب رأي الكاهن.. حتى صار يخيل إليه أنه يرى شفقة في نظرات بعض حريمه، ويسمع همهماتهن كما تهيأ له أنه لمح "في لحاظهن التهكم" فبعد أن ألف الزهو والافتخار باانتصاراته، نراه منكسرا محطما مفعلا المونولوج، لسبر أغوار البطل المتكلم وطاقة الحواس لديه طارحا سؤالا فلسفيا وجوديا، يصور عبثية القدر وسخريته ممن صنعت أصابعه مجد قرية ألانت الحديد والخشب، غير أنه عجز في أن تلن له مهمته الأخيرة، وفي هذا يقول: " نظرت إلى أصابعي التي صنعت المجد للقرية. أدق الحديد في قوة بعد أن كان في النار فيلين لي، فلماذا لم تلن لي مهمتي الاخيرة؟
كما نراه وظف تقنية القفز "تأخرت في المجيء قرابة الثلاث سنوات،
وعمري خمس سنوات، أكملت عامي الثامن عشر،" معتمدا التلخيص بغرض التكثيف مركزا نظره لرمق ما يفيد احتدام الصراع، مستنطقا الزمن، ليرصد تطور سلوكيات نوعين من الجمهور: أحدهما يمثل جمهور أصحاب القرار بشقيه الكاهن، واللملاك المنقذ والثاني يمثله بقية أهالي القرية، فالشق الأول واع بدوره وبرغباته، عارف بفنون القيادة وبسيكولوجية الحاكم والجمهور العريض، -ذلك الجمهور العاجز عن التفكير بمفرده،- الذي هو في حاجة دائمة لزعيم روحي وزعيم سياسي حتى يتخفى وراءه كما يقوده إلى بر الأمان، حتى وإن باعه وهم السعادة تحت أي عنوان، شريطة أن لا يزعجه بأفكار رديكالية مباغتة ترجه، فتسلبه راحته وتخيفه..جمهور سريع التأثر لا يستقر على حال، يلتف حول أي زعيم مختلف قوي له نفوذ يهابه إلى درجة الخوف والتأليه.. ليساهم الجمهور العريض في نحت شخصية الدكتاتور الذي يسلمه رقبته ليعبث بها باستسلامه المبالغ فيه نتيجة الخوف من بطشه..
وحيث أن هذا الجمهور غير مضمون فهو جاهز لتغيير رأيه والابتعاد عن قائده بمجرد الشعور بضعفه باحثا عن زعيم جديد قوي غيره.. وكأن رغبة التغيير لدى الجمهور مقترنة بضعف الحاكم، لا بظلمه وبجبروته، فمن خلال هذا الوعي نرى القائد والملاك المخلص البطل المحوري سوف ينتقل على عين المكان حيث ظهور الطفل بإبهام ليتحول من ملاك في صورة إنسان إلى مجرم لا يختلف عن الشيطان في غدره، ومع ذلك سوف يبرر فعلته بادعائه أنه هوى على يد الشيطان بخنجره، متشبها بالعامة في طريقة مسكها للقلم، فطريقة مسكه للخنجر في هذه الحالة لا تستخدم االإبهام لقدسيته وفي هذا إشارة إلى انتفاء تميز الفعل والآداء فبالتالي هوى من عرش الملاك المخلص إلى هوة الشيطان والجريمة كل هذا نتيجة قلق مخافة أن يفقد مكانته الرمزية..
وبهذا نرى أن الكاتب استطاع بلغة بسيطة للغاية، أن يصور المشاهد وأن يحقق الغرض من القص بأن يكون لقصته هدفا ومعنى للعبرة، وبذلك استطاع أن يشد القارئليظل متسائلا ماذا بعد محافظا بذلك على عنصر التشويق، مكسرا أفق انتظار القارئ محدثا الدهشة من أجل التوقف بقصد التمعن بعد إعادة التدوير بأسلوب ممتع يحمل بصمة مثقف عميق في أسلوب من السهل الممتنع بفضل ما يتمتع به الكاتب من كريزما التأليف..
التاريخ 26 09 2022
الزهراء تونس


