-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

قراءة سليمان جمعة لقصة "رسالة إلى جدتي العنقاء" لـ ريم محمد

 قراءة  سليمان جمعة  النقدية لقصة  "رسالة إلى جدتي العنقاء"  ريم محمد 

القصة 

رسالة إلى جدتي العنقاء *
 ريم محمد 



--------------------------
مازلت أذكر ذلك اليوم ،عندما أدهشني المرج الممتد أمام ناظريّ، كان يلمع تحت الشمس، سنابله تتماوج مثقلة سكرى، أغوتني؛ فركضت كثيراً، فقدت السيطرة فخلعت نعليّ وركضت حافية، كانت ضحكتي ترن وتتكسر إلى موجات صدى، شعرت بألمٍ خفيفٍ في ظهري بين لوحي الكتفين، وسمعت صوتاً أشبه بالتمزق، لم أكترث حينها، وفي المساء ..بُحت لأمي بما حصل،
نهرتني وطلبت ألا أكررها مخافة أن يعرف أحد.. شهقت عندما رأت موضع الألم، حتى أن عينيها امتلأتا بالدموع، لم أعِ حينها ماحصل إلا بعد أسبوع عندما شاهدت بأم عينيّ جناحيّ الصغيرين!
كانت أمي تدور في البيت، وتذرف الكثير من الدموع، ثم شاهدتها في حديقتها تبحث بين الأعشاب والحشائش عن شيءٍ ما!
ليلًا بينما كنت نائمة عمدت إلى جناحي؛ فاقتلعتهما، ومن الأعشاب كانت قد أعدت دهناً حشرته في الثقب الدامي وذهبت!
مرضت وأمسكت عن الكلام لفترة، كان الثقب كل ليلة ينزف دماً، وعندما تدهنه أمي يصبح بلونٍ مائلٍ للزرقة، جمعتهُ في محبرة، وما زلت أجمعه حتى الآن كلما نبت لي جناحان واقتلعتهما.
عندما توفيت أمي، كانت قد باحت لزوجي بسرّي، أسكنته معنا..زوجي لم يكن يتكلم كثيراً، كنت أفهم ما يريد من نظراته الضيقة..
أول مرة ينبت لي جناحان بعد رحيلها؛ حاولت إخفاءهما والسعادة تتلاحق مع الكلام، تسبقه وتكتمه، لترسم فوق شفتيّ ابتسامة؛ جاهدت كثيرًا في إخفائها عنه..لا أدري كيف شعر بهما، رغم أني لبست وشاح جدتي الصوفي!
بعد يومين سأحاول الطيران إلى أعلى القمة، وسأنظر إلى المرج وأضحك ملء المدى كما فعلت في طفولتي، لكن ..
لا..
من ثقب الباب شاهدته يبحث عن الأعشاب والحشائش كما كانت تفعل أمي!
في المساء اجتثهما، ودس ذلك الدهن في الثقب، كانت دموعي قد بللت الوسادة، وفي صمتٍ أشبه بالموت تجاهلت الألم.. روحي تئن وذلك الدهن لم يعد بلسماً...
جمعت ما استطعت من الدم الأزرق النازف،
- اليوم سأخبرك سراً يا ابنتي ، في طريقه إليك
- أعرف ذلك ..
ابنتي.. لها نفس عينيّ والثقب أصبح واضحاً!
ريم محمد 


قراءة للناقد الأديب سليمان جمعة 

اللجوء الى الحلم كي يتطور الحدث فوق الحواجز امر مستساغ كما هو اللجوء الى الاسطورة ليكون القبض على الكلمة وبها يحدث اختراق كل الحواجز وكذلك خلق مجالات تكون التحولات وسيلة لامتلاك القدرة الخلاقة ..وكذلك الغرائبية التي تمنح الشخصية قدرة خارقة .. هذه البنى مهد لها العنوان :
"رسالة الى جدتي العنقاء "
الرسالة توحي بالغياب .نبعث اليه حضورنا فنلتقي هناك بالكلمة التي تحمل وجودا لنا في اللغة ..والعنقاء رمز لمجاهدة الفناء والتمرد عليه والبعث من كل موت يلحق بمرحلة من حياة....
الدهشة شعور يفاجىء النفس بموقف غير متوقع ..
فالمشهد الطبيعي اوحى لها بانها انبعث من موات ..ودعاها لتلتحم به ..بالحياة فتغادر موتها..كدهشة الوليد حين يقذفه الرحم الى الوجود ..
هذا المشهد من الطبيعة تغريدا وسنابل ونسائم وفضاء رحب ..وازهار وخضرة يمثل رؤية النص ان تكون هي كمثل الطبيعة في حريتها زهوا وانطلاقا وثمرا وقمحا ..اي بتلك الحال نكون منتجين للخير ..وللجمال وللسلام..
كطير يحلق بجناحيه ..
فبنية ان ينبت لها جناحان غرائبية تتولد من وحي العنقاء .. تألمت كل بعث من رماد الاحتراق او شق الثرى يرافقه الم ولادة ... شكت لامها
لا ننكر ان بنية الام هنا بنية ثقافية اي الطاعة للسائد ..وابنتها بجناحيها سحلق خارج هذا القفص ..فخافت ..فبكت ..واقتلعت لها الاجنحة النابتة ودوات "الثقوب "بوسائل قديمة من الطبيعة ..كان جرحها ينزف ..وهي تجمع ذلك كمحبرة بلونه الازرق السماوي الذي يذكر بالسماء..بالسفر في البعيد..
مرضت البنت ولم تعاود الكتابة بحبر جرحها اي ترسم فضاءها وحريتها ..
تزوجت .. الزوج اخذ دور الام للحفاظ على ثقافة الانصياع وعدم السراح في بعث الطبيعة ..ماتت الام ..
ونبت لها جناحان من جديد وارادت ان تصعد الى القمة ..هنا رؤية مكملة للطبيعة الحية النضرة المثمرة ..لكن تنبه زوجها فاقتلع جناحيها وشاهدته يفتش عن الاعشاب ليداوي الثقوب ..والثقب هو بنية تعني قتل وانتصار ثقافة الطاعة .. فتر حلمها بالتحليق ..ولكنها اخبرت ابنتها التي وجدت انها تملك رغبتها ...في التمرد..
ما الذي يحاصر شخصية الفتاة هي امها كثقافة تكون امتدادا لسلطة الزوج كمؤسسة هو فيها السيد.. ما الذي سمح للشخصية ان تكون كطير له جناحان يحلق في الفضاء الحر ؟
انها اسطورة العنقاء المستقرة في ثقافتنا ككوة ننفذ منها من عجزنا فنغادر الى قوتها وان لا يستطيع اي امر احراقنا فسنبعث من رمادنا من جديد ..لتكون حياة جديدة بمعرفة جديدة بانت تباشيرها في ابنتها..اي لا بد من محاولة ..ومحاولة ووو للنجاح .وموت وموت وموت وبعث ..
فالجناح هو تحول اسطوري الى هيكل طبيعي آخر لا يخضع جسده الى عدم التحليق..
تلك هي محتوى الرسالة التي تؤكد للعنقاء ان المرأة ولو قصوا اجنحتها فسينبت لها آخر ..وما الحبر الازرق الا تثقيف تبثه وتثبته بالكتابة لان الحرف ترجمان التجربة والفكر ..
سليمان جمعة

عن محرر المقال

صديقة علي

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية