الأديب محمود عودة :
قراءة في نص الكاتبة المبدعة صديقة صديق علي ((( قطاري ))))ا
العنوان قطاري..
اختيار ذكي ، ماذا يعني القطار قد يكون قطار العمر أو قطار عدة أسفار وهنا يتحدث عن قطار يحمل قضية انسانية ويسير بها عبر هضابا لمعتركات السياسية في العالم بلا توقف .
متن النص :
بدأت الكاتبة نصبها بفعل ماضي ناقص وهو هنا لدلالة على الحركة المتتالية والمتراكبة في احداث النص.. ثم أكملت بداية نصها، ( كان من الصعب على عجوز مثلي أن يجثو على ركبتيه ) من كان طفلاً قبل ما يزيد على اثنا وسبعون عاماً أصبح عجوزاً ولم يجثوا طوال هذه المدة ولكنه أذعن لحفيده، فهو يرى فيه المسستقبل، لذا سايره في الركض مع قطاره اللعبة، ويحدوه الأمل أن يكون قطارالعودة لوطنه المسلوب، وفي غمرة اندماجه مع قطار حفيده، توقف القطار ليأتي السؤال البرئ، ولكنه محرج ومحبط للجد ( هذا قطاري .. أين قطارك)..وبذكاء الكاتبة أبرزت شدة هذا الأحباط الذي يحيط بجيل الجد ( جيل النكبه ) .. " شعرت بأن حبلاً أحاط بعنقي "
تستمر الكاتبة في سردها وشعرت بأنها تسرد تاريخ نكبة فلسطين بإسلوب بسيط وسلسس بعيداً عن الشعارات والتعصب والشجب أو البكاء والعويل.
"قطاري كان من علب السردين ، يؤكل .. لا لا كيف أشرح لك "
ويتفاجأ الجد بحديث حفيده لا تشرح لي إذهب وإتني به .. وهنا ارى الكاتبة تريد القول مهما شرح الأباء والأجداد أسباب هجرتهم من فلسطين فلن يقنع الأحفاد، وربما اللوم، ويتماهى بالألم هذا الإحساس لدى الأجداد .
وأرى محور القصة بالكامل يدور حول قطار علب السردين، علب السردين كانت تأتي من معسكرات الجيش البريطاني الذي كان يحتل فلسطين حتى عام 1948 عام النكبة، وكان أهل فلسطين يأكلونها عوضاُ عن الأسماك الباهظة الثمن والتي تذهب الى الجيش البريطاني، .. فيصنع منها الطفل الذي أصبح جداً قطاره، ويحمل علبه بثمار العنب وحبات الزيتون ويملأ بعضها بالماء والتراب .. وهنا أرى ترميز رائع لسرقة المستعمر خير البلد وفي النهاية يقدم الأرض والماء هدية إلى اليهود ليقيموا عليها دولتهم، وهذا من وجهة نظري عامود خيمة النص .
تنتقل بنا الكاتبة اللى مأساة النكبة ، وخروج الجد أيام طفولته مع والديه هرباً من قصف الطائرات وجحافل اليهود وقد دخلوا البيت وشعر الجميع بالخطر فجاء تعبير أقنعني أن ننزع حجرة كبيرة من جدار الحاكورة نواري خلفها القطار لحين عوندتنا، فما هي إلا أيام نلجأ فيها إلى الجبل ونعود، وتتألق الكاتبة في سردها وشرح عمق المأساة الفلسطينية وربما الغائبة عن الكثير..( لكننا لم نتوقف عند الجبل فاستمر رحيلنا إلى أن انتهينا من شمالنا، وصرنا من سكان الجنوب ) ولا يزال قطاري يناديني، لأجد أمي تبسمل فوق رأسي .... = اشتر له قطاراً يعوضه عما ترك .... وتأتي عبارة في منتهى القوة لا شيء يعوض عن الوطن ( لا يوجد شيء يعوض ما تركناه) نعم هنا الكاتبة تأكد ما أشرت إليه لا شيء يقنع الأحفاد مهما برر الجدود هجرتهم ، بكلمة ما تركناه .
بعد أشهر لحق بنا عمي فسألته بلهفة هل ما زال جدار حاكورتنا قائما، رد بلا مبالاة حزينة، نعم اطمئن لم يبق غيره... ومن ذلك اليوم غاب أحلامي، لا أدري لم تروق لي العبارة الأخيرة، لأن القطار والقرية لم يغب عن أحلام أي فلسطيني...
ثم تأتي بأغنية أو موال من التراث وخاصة بقرية ترشيحا وراقني اختيار الكاتبة لقرية ترشيح التي أصبح اسمها معالوت ترشيحا بعد دمجها مع مستوطنة معالوت لتصبح مدينة معالوت ترشيح، وما زال يقطن بها بعض العرب مسيحين ومسلمين، ربما صمدوا ولم يهاجروا أو ربما هجر لها البعض من قرى أخرى....( ترشيحا يا ركن الجبل ومزينة برجالها واللي يحاربنا نحاربه وبالسيف نقطع شاربه )
ثم جاءت الحبكة الرائعة بسؤال الطفل من هي ترشيحا فينظر الجد من أعلى لتسقط دمعة على خده المكتنز.... وهو ما ورثه الأجداد والأباء لأودهم وأحفادهم دمعة تسقط على خدهم .........
كل التحية للكاتبة المبدعة على نصها الرائعة الذي استفزني بقوة لأقدم هذه القراءة وعسى أن أكون أوفيت النص حقه وينال إعجابكم:
محمود عودة
النص :
قطاري
كان من الصعب على عجوز مثلي أن يجثو على ركبتيه، وبالرغم من ذلك، أذعنت لطلب حفيدي، ورحت أعيد له قطاره إلى السكة، وأصفرّ:
- تووووت ..توووت ..
وكانت ضحكته البراقة تنسيني وجعي، بل عمري، أدور وأدور مع قطاره حتى كدت أن أحجبه عن ناظريه، وبلحظة توقف القطار فهمس لي معترضا ببراءة
-هذا قطاري ..أين قطارك ؟
شعرت بأن حبلا أحاط بعنقي ..
- كان قطاري من علب السردين ؟
-يؤكل ؟
-لا لا كيف اشرح لك ؟
-لا تشرح ..اذهب وآتني به.
ضاق الحبل على عنقي، أختنق قمت اتكئ على كتف صغيري ورحت أستجدي نسمات من النافذة تخفف من الحرقة.
-هو بعيد ..بعيد جدا.
سألني من خلفي
- لم لم تحضره معك.وأنشغل باللعب ولم ينتظر ردي .
كانت يد أبي تشدني بعنف وأمي تولول ..من بعيد قادمة من حقل الزيتون -هل وجدته اليهود دخلوا دارنا؟... أجبني ان كنت تسمعني.
راح أبي يخلص يدي من قطاري، الذي أتباهى بطوله أمام أصحابي، فهوكان مولعا بأكل السردين، وأنا مولع بربط العلب إلى بعضها البعض بسلك معدني، فتصير قاطرات .. أحمّلها بثمار العنب وقد أشحن فيها حبات الزيتون ،وأملأ بعضها ماء وترابا.
صراخ أبي وهدير الطائرة جعلني أشعر بالخطر، فبسرعة أقنعني بأن ننزع حجرة كبيرة من جدار الحاكورة، ونواري خلفها القطار لحين عودتنا فما هي إلا أيام نلجأ فيها إلى الجبل ثم نعود. لكننا لم نتوقف عند الجبل فاستمر رحيلنا الى أن انتهينا من شمالنا، وصرنا من سكان الجنوب، ولازال قطاري يناديني، ..لأجد أمي تبسمل فوق رأسي.
- اشتر له قطارا يعوضه عم تركه
- لا يوجد شيء يعوض ماتركناه
كان جواب أبي قاسيا، لدرجة أن نشيج أمي آلمني.
بعد أشهر لحق بنا عمي، فسألته بلهفة هل مازال جدار حاكورتنا قائما .. رد بلا مبالاة حزينة
- نعم اطمئن لم يبق غيره.
ومن ذلك اليوم غاب عن أحلامي.
(ترشيحا يا ركن الجبل ومزينة برجالها واللي يحاربنا نحاربه وبالسيف نقطع شاربه).
تحيط ساعده الصغيرة بساقي ويشدها اتجاه صدره
- جدي جدي من هي ترشيحا .. وشارب من ستقطع ...
أنظر إليه من أعلى، وعلى خده المكتنز تسقط دمعتي.
صديقة علي11/7/2020

