ومض نقدي للأستاذين الأديبين خالد القبوبي
وأبو الفضل سحبان
حول
الققج "فارس من زجاج" للقاص عبد الحميد سحبان "فارس من زجاج"
"دق مسمارا في حائط خشبي ثم اختفى وراء صنم من ورق مقوى. فاجأه الفارس الزجاجي يمتطي صهوة رجليه ويحمل سيفا من الثلج قاطعا يتبعه. فر خوفا على بطنه المنتفخ بالغازات والعار. قرر أخيرا أن يتخلص من فروة القط السمين وليكن ما يكون، علقها على المسمار فانهار الحائط من ثقل الحمل مخلفا صوت تهشم الفارس المغوار". 1- الومضة النقدية الأولى للأستاذ الأديب خالد القبوبي رصدا للمعمار السردي لهذا النص نلاحظ هيمنة تيمة الحماسة الممتزجة بنخوة متوهمة تتماهى مع الدونكيشوتية أكثر من نكهة حماسة الشعر العربي، وهي في حقيقتها بطولة زائفة تبعث على السخرية، وبمفارقات كبيرة : الفارس ذي الطبيعة الزجاجية والسيف المصنوع من الثلج والمغوار الذي سينتهي محطما، تباينات تؤذن بالهزيمة في مواجهة غير متكافئة باسم المبادئ المثلى والرومانسية الزائدة لمقاومة المتنفذين الأذكياء الذين احتموا بصنم لإظهار ورعهم ونصرة الحق كشعار خادع من ورق مقوى لن يصمد أمام الحقيقة. إن المتنفذ محرك أحداث القص لعب لعبة الفر بمكر ليستنزف طاقة مناوئه، كما أن التظاهر بالتخلص من صفة القط السمين خطة محكمة بدأت بدق المسمار في حائط غير متين بل من الخشب الهش مهيأ للانهيار، لكن المتنفذين الخبثاء لم يغيروا سوى قشرتهم الخارجية (الفروة) التي كانت السبب الرئيسي لتحطم الفارس. ينبه السارد إلى خطر القطط السمان وقوتهم وقدرتهم على المناورة ويشير إلى أن التصدي إلى شرورهم لا يكون بالعنتريات أو بالدونكيشوتية التي تخطئ الهدف وتحارب طواحين الريح. (عن قراءة للأستاذ منشورة برابطة القصة القصيرة لسوريا). 2- الومضة النقدية الثانية للأستاذ الأديب محمد أبو الفضل سحبان حقيقة، استوقفني هذا النص العجائبي الآسر الغني بالإشارات الترميزية الدالة بالرغم من قصر مساحته السردية لانتمائه لجنس القص القصير جدا. وفي محاولتي لقياس عمقه وفهم مغزاه، فإن منطوق النص قد يظهر منه أن الصراع المحتدم هو صراع طبقي بين قطبين: الأول تمثله البورجوازية النافذة ويشخصه الرجل البطين (لذي يرتدي فروة القط السمين) المتحكم في زمام المشهد (دقه للمسمار) كناية عن التحكم واختباؤه خلف الصنم الورقي الهش إشارة للاحتماء بسلطة نافذة ومتحكمة لا تنفع في الشدائد. والثاني يمثل الفئة الفقيرة المهمشة التي تتوق للتغيير، ويمثلها الفارس الطامح إلى تكسير القيود وتخطي الحواجز. وتحضرني بالمناسبة قولة عبد الرحمن الكواكبي التي أشار فيها إلى أن خشية الراعي من الرعية أكبر من تهيب الرعية من الراعي وذلك لأن خوفه عن تسلط وقهر وخوفها عن جبن واستكانة. تحطم المناضل الزجاجي وفشل ثورته الباردة قد يكون ناجما عن الاندفاع الشديد والحماسة المفرطة أو عن وأخطاء كبيرة في التقدير كالجهل بنقاط ضعف غريمه. إنها بنظري نموذج لقصة قصيرة جدا مكتملة الأركان والعناصر ومفتوحة على قراءات متعددة.
الأديبين خالد القبوبي/ تونس
ابو الفضل سحبان/ المغرب
عبد الحميد سحبان / المغرب

