-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

المخلّص...للأديب / خالد عجماوي

 

الأديب / خالد عجماوي Khaled Elagamawy
قصّة قصيرة
المخلّص



هذا ملاكٌ مبارك. قالها الكاهن الأكبر أمام القرية كلها وهو يرفعني بكلتا يديه أمام الناس أثناء الاحتفال بمولدي. كان احتفالا ضخما. تحلقت حولي النساء مهللين، كما تجمع الرجال وقد علت على وجوههم سيمات الاستبشار. نظر جميعهم إلى كف يدي الصغير وقد التمع في عيونهم بريق الأمل في المستقبل الزاهر. تأملوا أصابعي في زهو. ثم نظروا إلى السماء في تذلل الشاكرين. تأخرت في المجيء قرابة الثلاث سنوات، ولكن ها أنا قد وصلت في الأخير، حاملا في كفي أسباب المجد. كان أبي لا يكاد ينام على فراشه كل ليلة إلا بعد أن يلتقط كفي الصغير بين أصابعه، ثم يعد بصوت عال: واحد.اثنان. ثلاثة. أربعة. خمسة! أرأيت؟! أنت مبارك من الرب. أنت الملاك المخلص!
أمسكت بالقلم وعمري خمس سنوات. كانت أصابعهم الأربعة تلتف عليه كخنجر، أما أناملي الخمسة فكانت تحتويه. قال الكاهن إن الحروف عندي دقيقة ومنمقة. كأنها تكاد تنطق بين أصابعي. أمرني فنسخت كتاب تاريخ القرية، كما نسخت كتاب الصلوات.
- على أطراف أصابعك تتعلق آمال القرية وأمجادها.
رددها أبي على مسامعي كل ليلة، وقد اصطبغت بالأحبار. تركت حياة الراحة والمكون. أصابع النجار الأربعة تخلق أشكالا قد تصلح للحياة، ولكن أصابعي الخمسة تجعلها تنبض بالروعة والإتقان. لامست أصابعي الخشب والحديد فألتناهما في أشكال ناطقة بالجمال والدقة. كانت المطرقة تطاوعني في ثبات. كما أن كفي يقدر على وضع الأحجار على كتفي العاري في مهارة.
صار عمري خمسة عشر. رمقني الكاهن في زهو، كما نظر إليّ في تردد. هل حانت لحظة الامتحان؟
أمسكت بمقبض سيفي فشعرت به قطعة مني، كما حملت درعي على ذراعي فأصبحت فارس القرية المهيب.
حانت لحظة النصر الموعودة. السيف لا ينفلت، وقد تعالت صيحات الظفر بعد كل معركة. لقد استعادت القرية هيبتها. أو بالأحرى نشأت لها هيبة على يدي.
أكملت عامي الثامن عشر، ورأى الكاهن أن المهمة الأقدس قد حانت. أشار إليهن وقد اصطففن أمامي كحبات اللؤلؤ، وأشار إليّ أن اختر أي من الصدفات تريد. نظرت إليهن فوجدتهن يرمقنني كأنني مَلَك؛ وشفاههن تكاد تنطق بالغنج. واحدة فقط لم تكن تنظر إلي؛ ولذلك اخترتها.
كنت عنيفا في ليلتنا الأولى. كأنني أعاقبها لأنها لم تبد افتتانها بإبهامي. مضت ليالينا وقد زدت عنفا وضراوة. تعودت الانتصار، كما ألفت الزهو والافتخار. ولكن لماذا لا يلوح أي نصر في الأفق؟ مرت شهور ولم تظهر في أحشائها بشارة. قال الكاهن إنه علي أن أختار مجددا، فمهمتي الأقدس لاتزال تنتظر إنجازي. اخترت أخرى، وغزوتها وقد قررت الانتصار هذه المرة. ولكن بدت وكأنها قاحلة. أو كأنها بذور في أراض بور، أو كأنه لابذور! اخترت أخرى، وأخرى.
شعرت بغصة في نفسي لم أكن لأعتادها في سنيني الماضية.
أمسكت الفئوس واستزرعت أراضينا، وحملت سيفي وانتصرت في معاركنا، ثم لما أردت أن أستزرع أرضي عجزت، كما أني في معركتي الخاصة هزمت!
انطفأت جذوة رغبتي، حتى هن؛ صرت كأنني أسمع بينهن بعض الهمهمات، ووجدت في بعضهن نظرات الإشفاق، وبعضهن كأنني لمحت في لحاظهن التهكم!
نظرت إلى أصابعي التي صنعت المجد. أدق الحديد في قوة بعد أن كان في النار فيلين لي، فلماذا لم تلن لي مهمتي الأخيرة!
اخترقت أذناي صوت صرخات ممزوجة بالزغاريد. وجدت نسوة يصرخن في فرح مجنون:
- طفل بإبهام!
ظهرت يداي مجددا ولكن عند غيري! وجدتهن يركضن كالمجانين قاصدات بيت الكاهن الكبير. بمجرد أن يراه الكاهن ويرفعه بكلتا يديه سيعلنه ملاك القرية الجديد.
وجدتني أقصد ذلك البيت المجاور. سمعت صوت الوليد. رمقت يديه. أصابع أربعة وإبهام.
رفعت خنجري، ثم هويت على يد الشيطان.
................


عن محرر المقال

صديقة علي

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية