-->
مجلة دار الـعـرب الثقافية مجلة دار الـعـرب الثقافية
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...
random

الصُّعُود ..للأديب / طارق حنفي


الأديب / طارق حنفي Tarek Hanafy
قصة قصيرة
الصُّعُود



-------
لا يكاد يُرَى بملابسه البيضاء وسط جبل الثلج - هائل الحجم - الذي يتسلقه.. يجاهِد عجزَه، مُستَنفِدًا إرادته في مقامٍ لا تكفيه الإرادة بل يحتاج القدرة والاستطاعة؛ وإلا صار أسير مقامه دون أمل في اَلِانْعِتَاق، لا يمتلك من الأسباب إلَّا يدَيه التي يستخدمها في التسلُّق، وعندما يصادف واحدة من الفجوات القليلة المتناثرة على المنحدر يخلد إليها؛ يستريح ويلتقط أنفاسه.. لكن، كيف بلغ به الأمرُ حدَّ الأسرِ؟ نَاشَدَ التذكر دون جدوى، بدأ يهمس في حيرة: "ما جدوى امتلاك النيَّة والإرادة لفعل شيء دون امتلاك أدوات النجاح؟! لماذا
قد يوضع أي مخلوق في موقف معجز دون امتلاك أسباب تجاوزه؟!"، غير أنه يشعر بوجوب الصعود إلى القمة.
قِلة الحيلة التي تكبِّل يدَيه وقدمَيه بحبلٍ من العجز الذي ينعقد طرفه حول عنقه تلخص حاله، يلتقط أنفاسه في صعوبة، يقاوم غيبوبة تداهم عقله، كما يقاوم شعور اليأس الذي يلتهم إرادته.. جال بخاطره أن يهبط؛ أمال رأسه ببطء وحذر يسترق النظر إلى السفح، لكنه لم يرَ إلا ما يشبه الجدار الرأسي من الثلج لا يستبين بدايته، ودخان يتصاعد بنعومة ويكاد أن يُغْشيه، وعن يمينه ويساره يغطي الثلجُ الأفق..
تطَّلع إلى أعلى، إلى ما يبدو كنورٍ أخضر باهت خلف غشاءٍ
من ضبابٍ أبيض تغوص فيه القمه، حتى ليبدو أن جدار
الثلج هو نفسه جبل من الضباب.
التقى - بعد طول عناء - بفجوة ضيقة فكدَّس جسده داخلها، متكوِّرًا على نفسه كجنين مستكين يأبى الخروج ورؤية العالم.. بعد لحظات، همَّ الغيوم داخل عقله منافسة الضباب في الأعلى قبل أن تخور قواه وتُسلب منه إرادته، أيقن أنها النهاية لا ريب؛ سكَنَتْ مقاومته، أغلق عينيه منتظرًا موته.. فقد منطقه؛ أخذ يهذي بكلمات ظنًّا منه أنه قد لامس الموت بالفعل: "إن الموت ليس بهذا السوء، على الأخص حين يبذل المرء قصارى جَهده، لقد حاولت بكل ما أوتيت من قوة أن أتسلق الجبل وأؤدي مهمتي"، وفي الأخير همدت حركته تمهيدًا إلى أن يتحول جسده إلى قطعة ثلج تضاف إلى الجبل.. شُجَّت رأسه فجأة؛ لقد اقتحمتها إحدى الأفكار عنوة (إن في حالة موته سيغلق بجسده تلك الفجوة التي - ربما - يلجأ إليها أحدهم في محاولة أخرى لإتمام المهمة)، أورثت قلبه غمًّا وحزنا، لم يلبثا أن هُجّرا؛ وشعورٌ بالرأفة والشفقة على من سيسلك الدرب بعده يستوطن مكانهما.
اجتاح صدرَه ما نفخ الروح فيه؛ فأحيا في قلبه همَّته وحسنَ ظنِّه، ذُكِّرَ برسالته، همس في نفسه: "أنا وإن كنت فعلت ما عليّ، إلَّا أنَّني لا بد من أن أُتمَّ الرحلة رحمةً بمن سيأتي بعدي"، فتح عينيه مرة أخرى وغادر جحره، قام من مقامه هذا يَنشُد مقامًا أعلى.
رفع بصره متطلِّعًا إلى الضوء الأخضر خلف الضباب، مبتسمًا له في ثقة، جاءه الضوء من فوره يسعى، التقط جسده وصعد به إلى أعلى حتى وصل به إلى قمة الجبل، وحطَّ به.. ثم بدأ الضوء ينساب بنعومة، وهو يخطو بحذر خلفه متخيرًا مواضِع قدمَيه بعناية؛ كان يطأ بهما مواطئ لم تلامس قدمًا قبلًا.. توقف الضوء وعظم حجمه، وتوقف هو على مسافة منه، وشرَعَ يتمِّم رسالته، أخرج من ملابسه البيضاء بذرة، وغرسها، فما لبثت أن صارت من فورها شجرة مثمرة، ثُمَّ امتد من حولها الشجر والزرع يرسم واحةً خضراء، وصَّل بين آثار أقدامه ليرسم الطريق إلى الواحة، وضع على جانبيه الإرشادات والوصايا لتساعد السائرين فيه على الوصول.. انكبَّ على جذوع الشجر ولحائه يصنع منهما سَلالِم عدة، ألقاها من أعلى الجبل إلى أسفله بعد أن ثبت أطرافها وأحكمها؛ حتى ييسر الصعود على من يأتي خلفه.
جلسَ في جنَّتِه يَتَطَلَّع إلى الأفق، مُتَمَنِّيًا من كل قلبه أن يكون قد أتمَّ رسالته وأن يكون قد أحسن عملا.. انتبه إلى ما يحدث داخل الضوء الأخضر، رنا إليه يترقَّب، والضوء ينشق رويدًا كاشفًًا عن جبلٍ آخر.
.................


عن محرر المقال

صديقة علي

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة دار العرب نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الموقع السريع ليصلك جديد االمقالات أول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مجلة دار الـعـرب الثقافية

مجلة عراقية . ثقافية . أدبية

احصاءات المجلة

جميع الحقوق محفوظة لمجلة دار العرب الثقافية - تطوير مؤسسة إربد للخدمات التقنية 00962788311431

مجلة دار الـعـرب الثقافية