مداخلات نقدية الى رواية يوتيوب ( الجزء الأول )
للروائي خضير فليح الزيدي .
تمهيد :
كتب الكثير من النقاد عن هذه الرواية الفنطازية وأشاروا الى المبنى والمعنى فيها ، وهنا سأتخذ مسارا مغايرا لما كتبوا وأتحدث عن الأسلوب في هذه الرواية ، ويجدر الاشارة الى
معنى الأسلوب كما قال "بوفون" قديما : (( الأسلوب هو الرجل نفسه ))،وقد عرّف فلوبير الأسلوب بأنه:((طريقة الكاتب الخاصة في رؤية الأشياء ))،ونفهم من ذلك بإن الأسلوب
هو طريقة الكاتب الخاصة في التفكير أو الشعور تجاه الواقع ومحاكاته ، ومن هذا المنطلق
سأقوم باستعراض أسلوب الكاتب وأدواته الفنّية في تناول موضوعات الرواية ، وما دمنا
نخوض في هذا المجال دعونا نلتفت قليلا الى ماهية الأسلوب وطرائقه .
إذاً فـ ((أن المنهج الأسلوبي من المناهج النقدية الحديثة التي تركز على دراسة النص الأدبي ، معتمدة على التفسير والتحليل ، وهي تمثل مرحلة متطورة من مراحل تطور الدرس البلاغي والنقدي ؛ فهي تتجاوز الدراسة الجزئية أو الشكلية إلى دراسة أعمق وأشمل. وهو واحد من أهم المناهج التي نشأت في أحضان اللسانيات ( كتاب المنهج الأسلوبي في النقد الأدبي للكاتب
أ.د. عبد الحفيظ محمد 2020)).
مدخل الى العنوان :
يوتيوب :
عنوان قائم على المقاربة النصيّة في شكل الأسئلة والمسائل التي يتضمنها المتن عبر
المضمون ومحتوى القيم السردية فيه ، الأسئلة ، القلق ، الصورة ، المحكيات ، الاسقاطات
النفسية للكاتب ، ودور العنوان هنا دور مصطلحي يهدف الى ربط الشائع في الواقع وتمثلات
الشعور النفسي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي في شخصيات الرواية وأصواتها ، فندرك
في هذا العنوان الرئيسي العنونات الفرعية مثل 🙁 ثلاث اشارات فقط - الأسئلة الأبدية - تعميم
ثلاث اشارات فضائية ..... الخ ) عناوين فرعية تشبه انتقالات المتصفح لليوتيوب .
وهنا ننتهي الى ما ذكره الناقد جميل حمداوي في مقالة له باسم( صورة العنوان في الرواية العربية ) حيث ذكر فيها : يقول الباحث المغربي إدريس الناقوري مؤكدا الوظيفة الإشهارية والقانونية للعنوان:" تتجاوز( دلالة العنوان) دلالاته الفنية والجمالية لتندرج في إطار العلاقة التبادلية الاقتصادية والتجارية تحديدا؛ وذلك لأن الكتاب لايعدو كونه من الناحية الاقتصادية منتوجا تجاريا يفترض فيه أن تكون له علاقة مميزة وبهذه العلامة بالضبط يحول العنوان المنتوج الأدبي أو الفني إلى سلعة قابلة للتداول، هذا بالإضافة إلى كونه وثيقة قانونية وسندا شرعيا يثبت ملكية الكتاب أو النص وانتماءه لصاحبه ولجنس معين من أجناس الأدب أو الفن.
مدخل الى المتن :
لا أريد أن أتناول شكلية الرواية بقدر ما أسعى الى مسك الأسلوب .
أداة الاسقاط : الاسقاط كلمة تتشظى حسب الجملة التي تتكون فيه ، فنقول الاسقاط الثقافي
وهو اسقاط غالبا ما يتعمده المؤلفون في كتاباتهم ، أي اسقاط وعيهم في النص أو قناعاتهم
أو عقائدهم ، أو مفاهيمهم ، أو آرائهم ، بغية الارسال والتلقي والمشاطرة والتبادل الفكري
فأننا نجد في رواية يوتيوب اسقاطات فكرية وثقافية كثيرة للمؤلف على نتاجه الروائي ،
ومن هذا المنطلق نفهم نوع المحاكاة مع نوع الأسلوب ، إذ يعمد المؤلف في هذه الرواية
الى ضرب وتر ما في كل قضية داخل الرواية ، فكم يا ترى من القضايا تم ضربها ولماذا ؟
وهذا ما سنلقي الضوء عليه تباعا .
مدخل الى ( ثلاث اشارات فقط )
تبدأ الرواية بعد المقدمة المهداة ، بعنوان فرعي " ثلاث اشارات فقط " يستهل بها السارد
ثيمة الرواية الرئيسية وعتبتها النصيّة عبر نقاط مرسلة.
النقطة الأولى * تختصر معنى عنوان الرواية تماما ،وتشير الى عمق المستقبل .
النقطة الثانية * تختصر اشكالية الوعي بين الموروث والعلم ، بين الحقيقة والوهم .
النقطة الثالثة * تختصر واقع الحال والمتاهة التي تُهيمن على الجميع .
انتهى .
مدخل الى ( الأسئلة الأبدية)
السؤال الأول : ماذا لو انفجركوكب الأرض من دون اشارة مسبقة ؟
السؤال في خضم القلق ، والاجابة في خضم الحيرة ، من يعرف معنى المعنى ليخبرنا فيما يدور حوله المعنى عند الطرف الثاني والثالث ، ( المعنى - معنى المعنى - اللامعنى)
الانسان بطبيعته الانسانية قلق في الحياة من الممات ، وقلق مما يجهله ، وقلق مما يعرفه،
وقلق من الكتابة أيضا ، وهنا ندرك اسقاطات المؤلف على السارد ، إذاً الوعي قائد .
السؤال الثاني : بماذا كان يفكر رجل المراحيض ، حين قرأ اشارة عاجلة عن اصطدام صخرة
منفلتة بكوكبنا بعد ساعة من الآن بتوقيت العاصمة .
حتما السارد هنا لا يعني ما يعنيه المبنى بقدر ما يعنيه المعنى ، ( رجل المراحيض - اشارة عاجلة - اصطدام صخرة منفلتة - كوكبنا - توقيت العاصمة ) .
هذه الأبنية اللغوية شعرية بحتة ، ذات انزياحات واستعارات وتشبيه مجازي ، يعتمد الرمزية
في تثوير المعنى ، فماذا على سبيل التأويل يمكن للمتلقي أن يدرك فيها ، المقصد والغاية
والفهم ، حتما ان السارد هنا يلعب على وتر حساس ، على المتلقي استدراك المعنى المقصود
فالسارد لاعب ماكر وذكي ويستطيع أن يثير الأسئلة الغامضة ويتحكم في تقريب صورتها ،
لكن الأسلوب عند المؤلف بحث آخر ، حيث يصيب بسارده من يشاء ويمنع عمن يشاء .
السؤال الثالث : لماذا نموت مع الجماعات ، ونحن ولدنا فرادى .
السؤال فلسفي بحت ، ولكن الجواب اجتماعي بحت ، أي جواب أعني ؟ نحن أمام سؤال
يجهض الاجابة قبل ولادتها ، ويمحص التفكير في رؤوسنا ، فالسارد ليس ذكيا فحسب ولا لاعبا عاديا ، بل هو سارد يدوس على ذيل الشيطان ، ليوقظ الفتن في أسئلتنا ، نحن نحب
فتن الأسئلة ، فهي الوحيدة التي تحررنا من ضعف الشك ، وضحالة اليقين .
ولأن الأسلوب يفرق بين اللغة والكلام بحسب سوسير ، فما بالك بين ما تقرأه وبين ما كُتِب؟
شتان ما بينهما ، كذا ما بين المبنى والمعنى ، وبين المؤلف والسارد وبين معنى وآخر ، وهذا
ما نصبو اليه هنا .
مدخل الى شخصية الرواية عبد الكريم علوان :
تشكل دائرة هذه الشخصية أهم دوائر الرواية وهي مركز الحركة فيها ومنها تنطلق رؤية الأسلوب حيث التحرك داخل ما يعرف وما يُعنى ، ومن لف ودوران في موضوعة الرواية
إذ يأتي ذلك وفق تذبذب الحياة النابضة في شخصية السارد على شخصية الرواية ، فيتحرك الكل في التفاصيل حركة ضدية وعكسية تشبه تحرك الحياة في تفاصيل الجسد الحي ، ونلمس في هذه الشخصية الدوافع والأفكار والتناقض والاختلاف والصدّ والضدّ والرغبة
والفكاهة والسخرية والمفارقة ، شخصية غامضة جدا على نحو ما محدود ومنفتحة جدا على نحو ما غير محدود ، جدّية مفرطة وهزل مفرط بذات الوقت ، ازدواجية منظمة وليست عشوائية ، فهو يستطيع أن يكون شفافا وغامضا في الوقت نفسه ، أي أنها شخصية منفلتة تماما ومن الصعب بمكان ما أن يتكهن القاري بماهيتها النفسية والاجتماعية ، ولكنه يملك هدفا مهما في حياته ، سنملس ذلك في سرديات الرواية ومحكاياتها .
مدخل الى السارد :
عُرِف عن المؤلف خضير فليح الزيدي خاصية مميزة جدا في انتقاء شخصياته السردية ، فهو غالبا ما يقدم لنا ساردا عجيبا وغريبا يتلاعب بالفضاء السردي ويحتال على واقعه حين يسترسل في محكاياته عبر السخرية والتهكم واللامبالاة والازدواجية الشجاعة والتحدي ، إذ
أن سارديه خارجون عن أي قانون وهم متعصبون لأناتهم محبون لذواتهم متفاهمون مع أنفسهم
مشاغبون مع المجتمع مجاهدون في الجهر من القول لا يردعهم رادع ولا يخشون مانعا ، لذلك غالبا ما نجد في شخصيات خضير فليح الزيدي سمات وخصائص جوكرية ، لا يضنيها فيما
تلاقيه مضنى ، ولا يعتريها وجل فيما يواجهها ، وقد يجد القارئ ما أشير اليه في مؤلفاته ( شاي وخبز - الملك في بيجامته - خريطة كاسترو- مملكة الضحك - فاليوم عشرة ) في كل
مؤلف سارد من نوع ما خاص جدا ، اشتركوا جميعا بخاصية الشخصية المنفلتة ، فالسارد لا يريد أي نمطية في شخصياته ولا يقبل أي قولبة في ماهياتها ، لأن المؤلف بطبيعة الحال متيم
في عالم الشخصية الروائية وضالع في تبئير شخصية السارد ، بين ما يراه ومن يتكلم ، وبين صيغة السرد وصوته ، وبين تفكير السارد وتفكير الشخصية ، بمعنى آخر أنه يبني شخصياته السردية وفق البيئة التي تنشأ فيها ، أبن الريف ولهجته وأبن المدينه ولهجته ، اضافة الى الأمزجة التي تفرق بينهما والى السلوك الذي يختلف ، فضلا عن تلقائية الشخصية الروائية وشفافية السارد ، في النهاية فأن عبد الكريم علوان موضوع الرواية وشخصيتها هو أحد ابتكارات المؤلف خضير فليح الزيدي الذي طالما قدم لنا نماذج من شخصياته الروائية عبر
مجموعة من الساردين لا يقلون أهمية عنها .
يتبع لاحقا مع الجزء الثاني ..
طالب هاشم الدراجي / العراق


