قراءة في القصة القصيرة جدا فتوق للقاصة مرح صالح
بقلم رفيق راشدي
فُتُوق - مرح صالح
انتشلنِي من عيوبِي..
همسَ بصيوانِي: الأخوان يتعانقانِ،
بحثْتُ عن سرَّتِي الضائعةِ..
وجدنِي أنفِي مُمرمَغاً في الطينِ.
العنوان:
الفتق لغة هو الشق، فتق الشيء إذا فصل أطرافه عن بعضها.
فتق الخياطة إذا نقض خياطتَه حتّى فصل بعضَه عن بعض يقول الله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا).
والفتق طبيا هو بروزُ جزءٍ من الأمعاءِ من فتحة في جدار البطن والجمع : فُتُوقٌ، ويحدث عادة في النقاط الضعيفة ومن أنواعه: الفتق الأربي، الفخذي، السري..
وكذلك أتى العنوان نكرة جمعا لكلمة فتق.
المتن: انتشلني من عيوبي: هو اعتراف صريح لعملية إنقاذ حدث فيها مايشبه التخليص والتنقية من عيوب، العيوب التي غرق فيها جعلته يتشبث بيد امتدت له، لايهم من صاحب اليد بقدر مايهم النتيجة وهي الخلاص، والمنقذَ عادة ماتتملكه عاطفة خاصة اتجاه من أنقذه، امتتنان قد يصل لدرجة الانصياع والاقتداء بالمنقِذ.
همسَ بصيوانِي: الأخوان يتعانقانِ: أصبحت الآن العلاقة بين المنتشِل والمنتشَل علاقة خاصة، أخوة، كيف لها ألا تكون وهي عملية إنسانية محضة، والهمس هنا هو مواصلة لتوثيق تلك الرابطة، الأخوة التي تعني التخاطب خفية، بسرية، همس بصيواني، لكيلا يؤذي سمعي، أتى الهمس في الصوان اي في الجزء الظاهر للأذن الخارجية
هي دعوة لعناق أخوي، مادامت العلاقة أخذت منحى إنساني، ماعساه المنقَذُ يفعل إزاء تلك الدعوة إلا الانصياع من دون وعي بل برغبة، تلغى كل حالة للشك والارتياب من نوايا من أنقذه، هي حالة ثقة عمياء تتولد في تلك اللحظة.
بحثت عن سرتي الضائعة: بعد الخروج من تلك اللحظة الوجدانية من ذلك العناق الأخوي، تبين له أنه فقد سرته، هي تماما كما يفعل السارق الذي ينشل محفظة أحدهم في لحظة لاوعي من الأخير، لكن مادلالة السرة هنا؟ لطالما دلت السرة على العلاقة بين الأم والجنين إذن هو الأصل، هي العضو الذي من خلاله أمدته بما يحتاجه لينمو ويستطيع استقبال الحياة لوحده، وإذا تهرب فرويد من فهم معنى السرة وانتاج دلالة لها إذا يقول : "هناك نقطة في كل حلم عصيّة على التفسير، كأنّها سرّة، هي نقطة الالتقاء مع المجهول"، لكن يبقى التحديق إلى السرة في المرآة دلالة على التفكير في الذات، هي مصدر للضحك أيضا إذا داعب أحدهم طفلا فيها، هي تدخل في العورة التي تمتد من الركبة إلى السرة أيضا، هي رمز إغراء أنثوي كذلك. لكنها ايضا امتداد للتاريخ البيولوجي البشري إذن هي إثبات لوجود علاقة تربطك برحمك، بهوية ما، غيابها أو ضياعها يعني انك من دون هوية، هل هذا ماعنته الكاتبة بضياع السرة؟
وجدني أنفي ممرمغا في الطين: الربط بين الرفعة والضعة يتجلى هنا: الأنف والطين، هنا حالت تشظي، ليست فقط السرة من فقدت لكن الذات المفقودة التي وجدت في حالة من الإختلاط بماهو دونها مستوى، والتمرغ في الطين هو أقصى درجات الهوان والذل، بعد أن فقد سرته دليل الهوية فقد أنفه دليل الكرامة والعزة فطاله الهوان.
إذن فظاهر الانتشال الأخوي لم يكن إلا بطانة لشيء آخر: لفتق وفصل المنقَذ مماهو أعز عليه من الموت: هويته وكرامته.
ذلك العناق كان بمثابة ربط الكتروني لشحن وتفريغ، وربما ذلك أحد دلالات الفتق، خروج الأعضاء الداخلية.
كل ذلك التوصيف يجعلنا أمام اقتران تماهي مع الآخر مشروط بنزع كل ما يربط الأنا بماضيه، هويته و كل ما هو مقدس لديه، والدخول ضمن كوسموبوليتية تأخذ ظاهر الإصلاح وهي في حقيقتها مخطط للإخضاع وافراغ الآخر.
ذلك مارأيته في نص القاصة المبدعة مرح صالح، وليست إلا قراءة متواضعة ضمن قراءات أخرى أفضل منها.
رفيق راشدي

