العاشقون ..محمد جبر حسن
قَدِمَ إلى بَغْدَاد قادمًا إليها من مغتربه، زارَ شارع المتنبي؛ علّه يَحظَى بلقاءِ بعض الأحبة، طال انتظاره وهو بين الزحام يطالع الوجوه، متلهفًا لرؤية أحد أترابه من سنينِ الصبا، وجد نفسه بعد أكثر من ساعةٍ في حاجةٍ لاستراحةٍ قصيرة، جلس في مقهى الشابندر، أرتشف قدحًا من الشاي، قضى بعض الوقت منهمكًا في تصفحِ الكتب التي اشتراها، قبل أنْ يتركَ المكان متجهًا نحو مقهى حسن عجمي. في الطريق الذي يشهد حركة كثيفة عادة في مثل هذا الوقت من كلِّ يوم جمعة، لمح أكثر من صبيٍّ يبيع أغلفة هواتف محمولة، وآخرين يحملون على أكتافهم أكياسًا نسيجية متهرئة فيها حاجيات مختلفة كالسجائر والوَلاَّعات وغيرها، دلف المقهى، بحث عن مكانٍ في فضائه المكتظ بالجالسين، جلس قريبًا من إحدى الطاولات الخشبية، عاد بالذاكرةِ إلى ذات فجر ودع فيه فضاء منزله في رصافةِ بغداد مهاجرًا إلى مدنٍ غريبة، ثمَّ بدأ يحدث نفسه قائلا: - حتى لو قدر للعراقي أنْ يعيشَ نحو ثمانين عامًا، فأنَّ نصفَ هذا العمر يكون قد ذهب سدى ما بين حرب وحرب وحصار واحتلال، فمعظمنا ثُكلت بنا أمهاتنا، فكان أنْ أصبحنا ما بين جسد مسجى على الساترِ الشرقيّ للوطن، وبين مُغيب في اقبيةِ سجون نظامٍ اعتمد كلِّ ما من شأنِه تجرّيدنَا من إنسانيّتنَا، فكان أنْ حرصَ على النظرِ إلينا دومًا بأننا مجرد بيادق في رقعةِ شِّطْرَنـْج. ولَمْ يفلت مّنا إلّا الذين عاشوا جَوْرَ سنوات الحصار الظالم الذي أهلك الحرث والنسل، وذاقوا الذل والهوان والغربة في وطنهم قبل وبعد الاحتلال. على الرَّغمِ من تلكَ الاوجَاعْ، وما عشناه من مصاعبٍ تعكس حياةً مثقلة بالعذاباتِ والآلام والأحزان، إلا أننا تمسكنا في مواجهةِ الحياة بمرح، فنذرنا سنوات عمرنا للجمال، وحب الوطن والناس والأرض؛ لأننَا العاشقين والشاهدين على هذا الزمن الرديء؛ فـلا عُجْـبٌ ولا غَـرَرُ إنْ كتبنا ما سرق العمر أجمل سنوات حياتنا قصصًا وقصائد، وغيرهما من أجناس الآدب والفن
. العاشقونَ
مُنْذُ أَرْبَعِينَ عاماً ثُكِلِتْ بِنَا أمهاتُنا حِين أخذونا إلَى الْمَجْهُولِ لنعودَ بَعْدَ ذَلِكَ رُفاتاً لَسْنَا كَمَا يتصورُنا الْبَعْضُ مُجَرَّد أَعْوَامٍ تائهاتٍ فِي سِفَرِ الزَّمَانِ فَنَحْنُ . . المُضَمّخونَ بِدَمِ العِشقِ الْبَاحِثُونَ فِي المرايا عَن السِّنِينِ الضائعاتِ الساخطونَ حَتَّى النِّقْمَةِ عَلَى الْحُرُوبِ والهزيمةِ وَالْخِذْلَانِ نَحْنُ الَّذِينَ لَنَا فِي كُلِّ يَوْمٍ دَوْرَةً لنبدأ حَيَاةً قيامتُنا بِلَا نُفَيْرٍ وَلَا بَوَّقٍ يُنْفَخَ فِي الصُّورِ وَلَا أجداثٍ نَحْن الأنقياءُ حَتَّى الشَّهَادَةِ العاشقونَ بِعِفَّةٍ العُذريّونَ مِنْ سُلَالَةِ قَيْسِ بْنِ المُلَوَّحِ والمُضَحّونَ بأعمارِنا قرابينَ لِلْوَطَنِ نَحْن وَرَثَةُ جَمِيلِ بُثَيْنَةٍ وَعُمَرَ بْنَ أبي رَبِيعَةٍ المُغرَمونَ بالكواعبِ المليحاتِ نَحْن الباكونَ فِي التِّيهِ عَلَى شَوَاهِدِ الْمُغَيَّبِينَ نَحْن النازفونَ قصائدَ حُزْنٍ حَتَّى الثُّمالَةِ للثكالىٰ السومريّاتِ نَحْن لِمَنْ لَا يَعْرِفُنَا . . العاشقونَ . . الأنقياءَ . . المُضَحّونَ . . مِثْلِ الأنبياءِ .
مُحَمَّد جَبْر حَسَن

